الصحفي محمد رائد كعكة
في لحظةٍ تبدو فيها الأسئلة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، يجد المواطن نفسه أمام واقع يفرض عليه إعادة التفكير في معنى “التحرير” وحدوده. فبعد سنواتٍ طويلة من الانتظار، لم يعد السؤال: “أين كنتم؟” بقدر ما أصبح: “لمن كانت قراراتكم؟ ولصالح من تُدار شؤون البلاد؟”
إن ما يعيشه الناس اليوم من تدهورٍ اقتصادي واضح لم يعد خافيًا على أحد. فالفقر يتسع، والأسعار تشتعل بلا ضابط، بينما تبدو الإجراءات المتخذة أقرب إلى محاولات شكلية لا تمس جوهر المشكلة. كيف يمكن لزيادة محدودة في الرواتب أن تُحدث فرقًا، بينما تكاليف المعيشة تتضاعف بشكلٍ يفوق قدرة المواطن على الاحتمال؟ إن الفجوة بين القرارات وواقع الناس باتت أكبر من أن تُبرَّر.
الأخطر من ذلك، أن حالة الفوضى وغياب المعايير الواضحة في إدارة الدولة تفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول طبيعة السلطة ومنهجها. حين تُبنى التعيينات على الولاء بدل الكفاءة، تُهمَّش الخبرات الحقيقية، ويُقصى القادرون على إحداث التغيير، فإن النتيجة الحتمية هي إعادة إنتاج الفشل ذاته، وإن اختلفت الوجوه.
وفي ظل هذا المشهد، يصبح التعبير عن الرأي مخاطرة بحد ذاته. إذ يُواجَه كل صوتٍ ناقد بسيلٍ من الاتهامات والتصنيفات، بدل أن يُقابَل بالحوار أو الإصلاح. وكأن التخوين أصبح أداة أسهل من الاعتراف بالأخطاء والعمل على تصحيحها. هذا النهج لا يقوّض الثقة فحسب، بل يعمّق الانقسام ويبعد المجتمع أكثر عن أي أفقٍ مشترك.
لقد كان الحلم يومًا واضحًا: إنهاء منظومة فساد، لا استبدال أشخاص بآخرين. غير أن الواقع اليوم يطرح تساؤلًا مؤلمًا: هل تغيّرت العقلية فعلًا، أم أننا أمام نسخة جديدة من القديم؟ إن التحرير الحقيقي لا يُقاس بالشعارات، بل بمدى تحقق العدالة، وبقدرة المواطن على الشعور بكرامته في تفاصيل حياته اليومية.
ليس المطلوب انقلابًا ولا صراعًا جديدًا، بل دولة عادلة تحتضن جميع أبنائها دون تمييز أو تصنيف. دولة تُبنى على المواطنة، لا على الانتماءات الضيقة. دولة تُنصت لصوت الناس، وتُترجم هذا الصوت إلى سياساتٍ عادلة وقراراتٍ مسؤولة.
في النهاية، الحرية ليست كلمة تُقال، بل تجربة تُعاش. هي شعورٌ بالأمان، وعدالة في الفرص، وكرامة لا تُمس. وما لم تنعكس هذه القيم في حياة المواطن، فإن كل ما يُقال سيبقى مجرد خطابٍ بلا أثر.
