Site icon NL NEWS Agency

هل ما يجري بين إيران وإسرائيل وأمريكا مخطط قديم؟ قراءة في إعادة تشكيل الشرق الأوسط

الصحفي محمد رائد كعكة 

من يتابع التصعيد المتسارع بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، قد يظن أننا أمام انفجار مفاجئ لصراع قديم. لكن القراءة الأعمق لمسار الأحداث في المنطقة خلال العقدين الماضيين توحي بأن ما يجري اليوم ليس وليد اللحظة، بل حلقة في مسار استراتيجي طويل لإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط.

تحييد الدول السنية: تمهيد لمواجهة إيران

منذ نحو عام، بدت واشنطن حريصة على طمأنة الدول العربية السنية الكبرى، ليس فقط عبر الخطاب السياسي، بل من خلال مراعاة مصالحها في ملفات ساخنة مثل اليمن والسودان وسوريا ولبنان. هذا السلوك لا يمكن فهمه إلا في سياق أوسع: تحييد هذه الدول عن أي مواجهة قادمة مع إيران، أو على الأقل ضمان عدم معارضتها.

فأي صراع واسع مع طهران يحتاج إلى بيئة إقليمية غير معادية، وهذا ما عملت عليه واشنطن تدريجيًا، بالتوازي مع تحجيم النفوذ الإيراني في ساحات نفوذ تقليدية.

سقوط الأسد: قطع أحد أذرع إيران

عندما سقط نظام بشار الأسد بيد الانتفاضة الشعبية السورية، لم يكن الحدث مجرد تغيير حكم محلي، بل ضربة استراتيجية لأحد أهم محاور النفوذ الإيراني في المشرق. فدمشق كانت العقدة الجغرافية التي تصل طهران ببغداد وبيروت، وتضمن تدفق السلاح والرجال إلى حزب الله.

من هنا يمكن فهم أن عملية “قصقصة الأجنحة” الإيرانية لم تبدأ من داخل إيران، بل من أطرافها: لبنان وسوريا والعراق، عبر استهداف قادة من حزب الله والحشد الشعبي والحرس الثوري. تلك الضربات المتتالية لم تكن عمليات تكتيكية معزولة، بل بداية مسار طويل لتحجيم الدور الإيراني الإقليمي قبل الانتقال إلى المواجهة الأكبر.

انسحاب القواعد الأمريكية من سوريا: تفاهمات ما قبل العاصفة

في هذا السياق، يطرح سؤال مهم: هل كان طلب انسحاب القواعد الأمريكية من سوريا خطوة استباقية لتحييدها عن الرد الإيراني المتوقع؟

المعطيات تشير إلى أن القيادة السورية الجديدة، بدعم سعودي وتركي، فضّلت إخراج الوجود العسكري الأمريكي لتجنب تحويل الأراضي السورية إلى ساحة مواجهة مباشرة مع طهران، كما يحدث في الخليج. وبالمقابل، حصلت واشنطن على ضمانات بمراعاة مصالحها الإقليمية، في إطار صفقة أوسع لتهيئة المسرح الإقليمي.

هذا يفسر أيضًا إدراك دول الخليج المبكر لسيناريو التصعيد، وتحركاتها الاستباقية في اليمن ومناطق أخرى لإبعاد التهديد عن حدودها. كما يفسر الصمت العربي والتركي اللافت حيال الضربات على إيران — وهو صمت ليس حيادًا بقدر ما هو قبول ضمني بإعادة رسم التوازنات.

أفول عصر الميليشيات؟

الضربات المتكررة التي طالت قيادات وأذرع إيران الإقليمية، من لبنان إلى العراق، توحي بأن نموذج “الميليشيا الوكيلة” الذي هيمن على الشرق الأوسط منذ الغزو الأمريكي للعراق، يقترب من نهايته. فالدول الكبرى لم تعد ترى في هذه الكيانات أدوات استقرار أو نفوذ قابل للإدارة، بل مصادر فوضى تعيق الانتقال إلى توازنات جديدة.

بذلك، قد يكون الشرق الأوسط مقبلًا على مرحلة ما بعد الميليشيات، حيث تعود الصراعات إلى شكلها الكلاسيكي بين الدول، تمهيدًا لتركيز استراتيجي عالمي أكبر على التنافس مع الصين.

ماذا تريد إسرائيل من إيران؟

إسرائيل لا تبحث عن حرب شاملة مع إيران بقدر ما تسعى إلى منعها من الوصول إلى العتبة النووية. فدولة بحجم جغرافي صغير، تعتمد على التفوق الاستخباراتي والجوي والدعم الدولي، لا تستطيع تحمّل صراع وجودي طويل مع قوة إقليمية كبرى.

امتلاك إيران للسلاح النووي يعني بالنسبة لتل أبيب تحول التهديد من قابل للاحتواء إلى تهديد وجودي دائم. لذلك، فإن الهدف الاستراتيجي الإسرائيلي المرجح هو تغيير سلوك النظام الإيراني أو إضعافه جذريًا، وليس بالضرورة احتلالًا أو حربًا تقليدية واسعة.

العراق: الحلقة الأولى في المسار؟

عند العودة إلى الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، يبرز سؤال ظل مثار جدل: هل كان إسقاط بغداد خطوة في مسار أوسع يستهدف طهران لاحقًا؟

العراق آنذاك كان قوة عسكرية وإقليمية صاعدة، ومصدر قلق لإسرائيل ودول المنطقة. إسقاطه أنهى توازنًا إقليميًا كان يقيّد النفوذ الإيراني، لكنه في الوقت نفسه فتح الباب لصعود الميليشيات الشيعية المرتبطة بطهران. هذا التناقض يعكس أن الاستراتيجية الأمريكية لم تكن خطًا مستقيمًا، بل مسارًا متعرجًا انتهى paradoxically بتوسيع نفوذ إيران مؤقتًا، قبل أن تبدأ مرحلة احتوائه الحالية.

ما نشهده اليوم لا يبدو مجرد تصعيد طارئ، بل ذروة مسار طويل لإعادة تشكيل الشرق الأوسط: تحييد الحلفاء، إضعاف الأذرع، عزل المركز، ثم الانتقال إلى المواجهة الكبرى. في هذا السياق، يصبح الصمت الإقليمي، والانسحابات العسكرية، والضربات المركزة، أجزاءً من لوحة واحدة.

السؤال لم يعد إن كان المخطط قديمًا، بل إلى أي حد سيذهب — وهل سينتهي بتغيير النظام الإيراني، أم بإعادة تعريف دوره وحدوده فقط.

كاتب

Exit mobile version