Site icon NL NEWS Agency

هل تُزجّ سوريا في حرب جديدة قبل أن تتعافى من جراحها؟ تساؤلات حول الدور العسكري المحتمل إلى جانب السعودية

الصحفي – محمد رائد كعكة

في ظل التصعيد العسكري المتسارع في الشرق الأوسط، وعودة المواجهات بين المملكة العربية السعودية وجماعة الحوثيين في اليمن إلى واجهة المشهد الإقليمي، تتزايد التساؤلات حول احتمال دخول سوريا في ترتيبات أمنية وعسكرية جديدة قد تتجاوز حدود التعاون السياسي والدبلوماسي.

ورغم عدم وجود تأكيدات رسمية بشأن إرسال قوات سورية إلى السعودية للمشاركة في مهام عسكرية مرتبطة بالمواجهة مع الحوثيين، فإن مجرد طرح هذا الاحتمال يفتح نقاشا مهما حول قدرة دمشق على تحمل التزامات عسكرية خارج حدودها، في وقت لم تتعاف فيه البلاد بعد من التداعيات العسكرية والاقتصادية للحرب الطويلة التي عاشتها.

سوريا أمام تحديات أكبر من حدودها

لا يمكن تجاهل حقيقة أن سوريا ما تزال تمر بمرحلة شديدة الحساسية، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي أو الاجتماعي.

فالجيش السوري يواجه تحديات تتعلق بإعادة التنظيم والتأهيل والتسليح وبناء المؤسسات العسكرية، فيما يعاني الاقتصاد من ضعف الإنتاج وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، إلى جانب الحاجة الهائلة لإعادة إعمار البنية التحتية والمرافق الحيوية.

وفي ظل هذه الظروف، يصبح الحديث عن مشاركة عسكرية سورية محتملة خارج الحدود مسألة تحتاج إلى دراسة دقيقة، ليس من زاوية الالتزامات السياسية والتحالفات الإقليمية فحسب، بل من زاوية الإمكانات الفعلية للدولة وأولوياتها الوطنية.

فالدول الخارجة من الحروب تحتاج عادة إلى فترات طويلة لاستعادة جاهزيتها العسكرية واستقرارها الاقتصادي، وأي التزامات جديدة قد تفرض أعباء إضافية على مؤسسات ما تزال في طور إعادة البناء.

التعاون مع السعودية لا يعني بالضرورة خوض الحرب

تتمتع العلاقات السورية السعودية بأهمية استراتيجية، ويمكن لتطويرها أن يفتح آفاقا واسعة أمام التعاون السياسي والاقتصادي والأمني، بما يخدم مصالح البلدين ويسهم في تعزيز الاستقرار العربي.

ومن الطبيعي أن تسعى السعودية إلى حماية أمنها الوطني في مواجهة الهجمات التي تستهدف أراضيها ومنشآتها الحيوية، كما أن التعاون بين الدول العربية في مكافحة الإرهاب وتهريب الأسلحة والمخدرات يمثل مصلحة مشتركة.

لكن هناك فارقا جوهريا بين التعاون الأمني والدفاعي وبين المشاركة المباشرة في مواجهات عسكرية قد تتسع رقعتها وتتجاوز حساباتها الأولية.

فسوريا تستطيع أن تكون شريكا فاعلا في حماية الأمن الإقليمي من خلال ضبط حدودها، ومكافحة شبكات التهريب، وتبادل المعلومات الأمنية، وتعزيز الاستقرار داخل أراضيها، دون أن يكون ذلك مرتبطا بالضرورة بنشر قواتها في مناطق توتر خارجية.

هل تتحمل المؤسسة العسكرية السورية أعباء مواجهة جديدة؟

إن المشاركة في أي عمليات عسكرية خارج الحدود لا تتعلق فقط بإرسال الجنود، بل تتطلب منظومة متكاملة من القدرات اللوجستية والتسليحية والاستخباراتية والتمويلية، فضلا عن الجاهزية العملياتية والتنسيق المستمر.وهذه المتطلبات تكتسب أهمية مضاعفة عندما يتعلق الأمر بدولة تعمل على إعادة بناء مؤسستها العسكرية بعد سنوات طويلة من الحرب.

كما أن مواجهة الحوثيين ليست مهمة عسكرية تقليدية، في ظل استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة وأساليب القتال غير المتكافئ، وما يرافق ذلك من مخاطر أمنية وعسكرية معقدة.

ومن هنا، فإن تقييم أي دور عسكري سوري محتمل لا بد أن يأخذ في الاعتبار مدى جاهزية القوات المسلحة، والكلفة المتوقعة، والانعكاسات المحتملة على الأمن الداخلي.

فإعادة بناء الجيش وتعزيز قدرته على حماية الأراضي السورية تظل من الملفات الأساسية التي تحتاج إلى موارد وجهود متواصلة.

الأولوية للاقتصاد وإعادة الإعمار

بعيدا عن الحسابات العسكرية والتحالفات الإقليمية، يبقى المواطن السوري أمام واقع اقتصادي صعب لم تتغير ملامحه الأساسية بالسرعة التي يأملها.فآلاف العائلات ما تزال تواجه صعوبات في تأمين احتياجاتها اليومية، بينما تحتاج قطاعات الكهرباء والصحة والتعليم والصناعة والزراعة إلى استثمارات كبيرة لإعادة تأهيلها.

كما أن تراجع قيمة العملة السورية وضعف القدرة الشرائية يفرضان تحديات إضافية على جهود التعافي الاقتصادي.وفي ظل هذا الواقع، تبدو الحاجة ملحة إلى توجيه الموارد والإمكانات نحو مشروعات إعادة الإعمار وتحسين مستوى المعيشة، والاستفادة من العلاقات مع السعودية ودول الخليج في جذب الاستثمارات وخلق فرص العمل.وقد يكون النجاح في بناء اقتصاد سوري مستقر ومؤسسات قوية أكثر تأثيرا في تعزيز مكانة دمشق الإقليمية من أي مشاركة عسكرية محدودة خارج أراضيها.

أمن سوريا جزء من الأمن العربي

لا خلاف على أن استقرار السعودية ودول الخليج يشكل عنصرا مهما في استقرار المنطقة، وأن حماية الدول العربية من الاعتداءات والتهديدات الخارجية مسؤولية تستدعي التنسيق والتعاون.غير أن أشكال هذا التعاون ليست محصورة بالعمل العسكري المباشر، بل تشمل الجهود الدبلوماسية وتبادل المعلومات والدعم السياسي والتعاون الاقتصادي والأمني.

كما أن استقرار سوريا بحد ذاته يمثل مكسبا استراتيجيا للأمن العربي، نظرا إلى موقعها الجغرافي وحساسية حدودها وتشابك الملفات الأمنية المحيطة بها.

ومن هذا المنطلق، فإن تعزيز قدرة الدولة السورية على بسط سيادتها وحماية أراضيها ومنع نشاط الجماعات المسلحة وشبكات التهريب يمكن أن يقدم مساهمة مهمة في أمن المنطقة، دون الحاجة إلى توسيع نطاق التزاماتها العسكرية.

بين الواجب العربي والمصلحة الوطنية

من الطبيعي أن تحرص دمشق على تطوير علاقاتها مع الرياض وتعزيز حضورها في محيطها العربي، خصوصا أن المرحلة المقبلة تتطلب شراكات سياسية واقتصادية قادرة على دعم مسار التعافي السوري.لكن بناء التحالفات الناجحة لا يقاس فقط بحجم الالتزامات العسكرية، وإنما بمدى انسجامها مع إمكانات كل دولة وظروفها ومصالحها الاستراتيجية.

وسوريا التي دفعت أثمانا بشرية واقتصادية كبيرة خلال سنوات الحرب تحتاج اليوم إلى استعادة قوتها تدريجيا، وإعادة بناء مؤسساتها، وترسيخ الاستقرار الداخلي قبل تحمل مسؤوليات عسكرية إضافية.

ولا ينتقص هذا الطرح من أهمية العلاقات مع السعودية أو من حق المملكة في الدفاع عن أمنها، وإنما يسلط الضوء على ضرورة الموازنة بين متطلبات التضامن العربي والقدرة الفعلية للدول على تحمل أعباء جديدة.

فالقوة الحقيقية لأي تحالف لا تكمن في اتساع رقعته العسكرية وحدها، بل في قدرة أطرافه على تحقيق الاستقرار وحماية مصالح شعوبها على المدى الطويل.

ويبقى السؤال الذي يستحق النقاش: هل تحتاج المنطقة اليوم إلى مزيد من القوات في ساحات المواجهة، أم إلى دول تستعيد عافيتها وتساهم في بناء استقرار إقليمي مستدام؟

فسوريا التي لم تتعاف بعد عسكريا أو اقتصاديا من حربها الطويلة، تقف أمام استحقاقات داخلية كبرى، وربما يكون نجاحها في تجاوز هذه المرحلة واستعادة قوتها واستقرارها هو الإسهام الأهم الذي يمكن أن تقدمه لمستقبل الأمن العربي.

كاتب

Exit mobile version