ريم رفعت بطال – دبي
في رحلة تأخذنا إلى عبق التاريخ وجمال الحرف العربي، أقامت جمعية الصحفيين الإماراتية في دبي معرض »نفائس المداد« للفنان والخطاط الإماراتي علي عبدالله الحمادي، الذي قّّدم من خلاله مجموعة استثنائية من المصاحف النادرة والمخطوطات التاريخية والأقلام والمحابر والأوراق التراثية، إلى جانب عدد كبير من المقتنيات والأنتيكات المرتبطة بفن الخط العربي.
وافتتحت المعرض الأستاذة فضيلة عبدالله المعيني، مرحبة بالحضور، ومشيدة بالجهد الكبير الذي بذله الفنان علي الحمادي في جمع هذه المقتنيات والمحافظة عليها وإتاحتها للجمهور، مؤكدة أهمية مثل هذه المعارض في التعريف بالإرث الثقافي والحضاري العربي والإسلامي.
ويأتي المعرض بوصفه تجربة ثقافية تحتفي بفنون الكتابة والخط العربي، وتكشف جانبًًا من الإرث الحضاري الذي تركه الخطاطون والوراقون عبر العصور، من خلال مصاحف ومخطوطات وأدوات استخدمت في صناعة الكتاب العربي وكتابته وتزيينه.
وتوزعت مقتنيات المعرض على ثلاث قاعات، ضمت كل منها مجموعة من النوادر والمقتنيات التي تحكي قصة طويلة من تاريخ الخط العربي.
القاعة الأولى.. لوحات تحكي تاريخ الحرف
بدأت الجولة في القاعة الأولى بمجموعة من الأعمال الفنية والخطية، من بينها لوحات للفنانين والخطاطين المشاركين، ومنها أعمال محمد زيدي وحسن البابا، حيث تعّّرف الزوار إلى الأعمال المعروضة والأنماط الخطية التي استخدمها أصحابها، والأفكار التي استلهموا منها لوحاتهم ومخطوطاتهم ومجسماتهم.
ومن الأعمال اللافتة لوحة تضمنت50 جملة وطنيةبمناسبة عيد الاتحاد الخمسين لدولة الإمارات، بدأت كل جملة منها بكلمة
»وطن«، في عمل يجمع بين جمال الخط وروح الانتماء الوطني.
كما ضمت القاعة نماذج من الحليات الشريفة، وهي من الأعمال التي تجمع بين النص الديني والزخرفة والخط، إلى جانب لوحات كانت ُتهدى للعرسان وتحمل عبارات ذات دلالات على المحبة والرحمة والمودة.
وشهدت القاعة أيضًًا نماذج من الخط الكوفي، ومن بينها أعمال مرتبطة بالمدارس الخطية القديمة، إضافة إلى لوحات بأسماء عدد من كبار الخطاطين.
وتوقف المعرض عند تجربة الخطاط سامي أفندي، الذي ُعرف بوضع القواعد الدقيقة لبعض أنواع الخط العربي والتشدد في الالتزام بها. كما تناول المعرض أنواع الأحبار القديمة، ومن بينها الحبر الذي كان يدخل في تركيبه الزرنيخ.
وأوضح الحمادي أن الزرنيخ كان ُيستخدم قديمًًا في بعض أنواع الأحبار للمساعدة على حفظها وإطالة عمرها، مشيرًًا إلى خطورة التعامل معه. كما شرح أن بعض الخطاطين كانوا يتعرضون للتسمم نتيجة ملامسة الحبر ثم نقل المادة إلى الفم أثناء العمل، وهي من القصص التي تكشف طبيعة المخاطر التي أحاطت بمهنة الخط في بعض العصور.
كما تحدث الحمادي عن كيفية استخراج الزرنيخ من الصخور وخلطه بالحبر، موضحًًا أن استخدامه كان مرتبطًًا بالرغبة في المحافظة على الكتابة والحبر لفترات طويلة.
وضمت القاعة كذلك شهادات وأعماًًلا ومخطوطات مرتبطة بتجربة علي الحمادي، إلى جانب نماذج من أعمال كبار الخطاطين.
ومن الشخصيات التي تناولها المعرض الحديث عن فاطمة سعيدالبقالي رحمها الله ، التي أشار إليها باعتبارها من أوائل أستاذات الخط في دولة الإمارات، إلى جانب مجموعة من الأعمال التي توثق مراحل مختلفة من تطور الخط العربي.
المحابر والأقلام.. أدوات صنعت تاريخ الخط
انتقلت الجولة بعد ذلك إلى مجموعة من المحابر القديمة، حيث تعّّرف الزوار إلى الطرق التقليدية في صناعة الحبر وتحضيره.
وأوضح الحمادي أن الأحبار كانت تحّّضر في بداياتها بطرق بدائية، ومن بينها استخدام الهباب وخلطه بمواد تساعد على تماسكه، ومنها العسل، ليصبح صالحًًا للكتابة.
وضمت المجموعة محابر قديمة من بلدان مختلفة، من بينها محبرة تعود إلى إسبانيا، ومحابر يمنية، وأخرى صغيرة الحجم، إلى جانب حافظات للأقلام والأوراق يعود بعضها إلى أكثر من مئتي عام.
كما عرضت المجموعة قلمًًا بطابع إماراتي مميز، إلى جانب مجموعة من الأدوات التي استخدمها الخطاطون في الكتابة والزخرفة.
ومن أبرز المقتنيات التي لفتت الأنظار مصحف مكتوب بخط اليد للعالم مبارك المنفلوطي يقدر عمره التقريبي 140 عاما”، وهو من المصاحف التي تكشف أهمية الكتابة اليدوية في حفظ القرآن الكريم ونقل المعرفة عبر الأجيال.
ولهذا نقول أن مجموعة الأستاذ الحمادي تضم عشرات المصاحف النادرة والمخطوطات، إلى جانب مئات الأدوات القديمة الخاصة بالخط، وهو ما جعله يؤسس مجموعة ومتحفًًا خاصًًا بهذه المقتنيات.
القاعة الثانية.. المصحف عبر العصور
أما القاعة الثانية، فخصص جانب كبير منها للمصاحف النادرة وتاريخ كتابتها، حيث استعرض الحمادي نماذج مختلفة تكشف تنوع مدارس الخط وأساليب كتابة المصحف عبر العصور.
وكان من أبرز الأسماء التي توقف عندها المعرض الخطاط أحمد قرة حصاري، الذي كان خطاط السلطان سليمان القانوني في الدولة العثمانية، وُُيعد من أبرز الخطاطين في تاريخ الخط العثماني.
ويملك الحمادي بالفعل نسخة نادرة من مصحف أحمد قرة حصاري، وهي من أبرز القطع في مجموعته، وقد استغرق إنجازها سنوات طويلة، كما تتميز بثقلها نتيجة كثافة الورق والزخرفة والتذهيب. والمخطوطات وأدوات الخط القديمة، وأن من مقتنياته مصحف أحمد قرة حصاري ومصحف باي سنغور وغيره.
وتحدث المعرض كذلك عن المصاحف التي كانت ُتكتب وفق قواعد دقيقة، وعن الطريقة التي كان ُيطلب بها من الخطاط توزيع الآيات والحروف داخل الصفحة، بما يعكس مدى الدقة التي بلغها فن نسخ المصحف.
ومن الأسماء التي وردت في المعرض محمد شكر زاده، إلى جانب حسن رضاوسامي أفندي، حيث عرضت نماذج من أعمالهم ومراحل تطور الكتابة القرآنية والخط العربي.
كما عرضت المجموعة مصحف باي سنغور، المرتبط بفترة تيمورلنك، وهو من المصاحف النادرة التي لم تصل كاملة إلى عصرنا، إذ تعرض جزء منها للتلف بسبب الحشرات. وُُيعد هذا المصحف من القطع اللافتة في مجموعة الحمادي.
وتناول المعرض أيضًًا عددًًا من المدارس والأسماء المهمة في تاريخ الخط، ومنهاحامد الآمدي، الذي يعد من أبرز أعلام الخط العربي في العصر العثماني، إضافة إلى نماذج من المصاحف المطبوعة والمخطوطة التي توثق انتقال المصحف من مرحلة الكتابة اليدوية إلى مرحلة الطباعة.
ومن المقتنيات المهمة كذلك مصاحف مرتبطة بتاريخ العراق والكويت وغيرها من البلدان، إلى جانب نماذج توضح اختلاف الخطوط المستخدمة في كتابة المصاحف، وفي مقدمتها خط النسخ.
كما أشار الحمادي إلى خطاطين كانت لهم جهود كبيرة في كتابة المصاحف، ومنهم الخطاط الحافظ عثمان نوري قايش زاده كان يحرص على أداء العمرة بعد الانتهاء من كتابة كل مصحف، ثم يعود ليبدأ في كتابة مصحف جديد، وقد كتب أربعين مصحف وعند الانتهاء من كل مصحف كان يذهب للعمرة ويعود لكتابة مصحف جديد ،
في صورة تعكس العلاقة الروحية العميقة بين الخطاط والمصحف.
القاعة الثالثة.. الورق والقلم والمحبرة
أما القاعة الثالثة، فكانت أشبه برحلة داخل عالم أدوات الخطاط، حيث ضمت مجموعة كبيرة من الأقلام والمحابر والأوراق والمخطوطات والعملات والمقتنيات النادرة.
وتعرف الزوار إلى أنواع متعددة من الأوراق، وطريقة صناعة كل نوع منها، وكيف كان الورق يحّّضر وُُيعالج ليصبح مناسبًًا للكتابة والتذهيب.
ومن المعلومات اللافتة التي ُقدمت في المعرض طريقة صناعة بعض الأوراق المزخرفة باستخدام مواد طبيعية، ومنها ورق الموز، الذي كان ُيخلط بمواد مثل بياض البيض والنشاء والشبة، وفق طرق تقليدية قديمة.
كما ضمت القاعة أنواعًًا متعددة من الأقلام المصنوعة من الأخشاب المختلفة، ومنهاالأبنوس، إلى جانب أقلام أخرى كانت ُتصنع من أنواع مميزة من الخشب.
وتوقف الحمادي عند أهمية القلم في صناعة الخط، موضحًًا أن نوع القلم وطريقة قطعه وتجهيزه تؤثر بشكل مباشر في شكل الحرف وجودة الكتابة.
ومن بين المقتنيات المميزة قلم مصنوع من قرن الغزال الجبلي، وهو من الأقلام التي ُعرفت بصلابتها، وُُتعد من الأدوات المميزة للخطاطين. وعلى الرغم من أن صوت صرير القلم أثناء الكتابة قد يكون مزعجًًا أحيانًًا، فإن هذا النوع من الأقلام يعطي نتائج جميلة ويمنح الخط شكًًلا مميزًًا.
كما ضمت القاعة مجموعة من الأقلام القديمة المصنوعة من أنواع مختلفة من الخشب، ومحافظ للأقلام، ومحابر، وأوراق مزخرفة، فضًًلا عن بعض العملات المعدنية القديمة ومقتنيات مصنوعة من الصدف.
وهكذا تحولت القاعة الثالثة إلى مساحة تروي حكاية الأدوات التي لم تكن مجرد وسائل للكتابة، بل كانت جزءًًا أصيًًلا من شخصية الخطاط وهويته الفنية.
»نفائس المداد«.. حين تتحول المقتنيات إلى ذاكرة
مع انتهاء الجولة في معرض »نفائس المداد«، بدا واضحًًا أن المعرض لم يكن مجرد عرض لمجموعة من القطع القديمة، وإنما كان رحلة متكاملة في تاريخ الحرف العربي، وفي حياة الخطاطين والوراقين الذين تركوا وراءهم إرثًًا لا يقّّدر بثمن.
فكل مصحف، وكل مخطوطة، وكل قلم ومحبرة وقطعة ورق، كانت تحمل قصة عن عصر مضى، وعن أيٍٍد أمضت سنوات في صناعة الجمال بالكلمة والحرف.
وقد نجح الفنان والخطاط علي عبدالله الحمادي، من خلال سنوات طويلة من الاقتناء والبحث، في جمع هذا الإرث والمحافظة عليه وإخراجه من نطاق المجموعات الخاصة إلى فضاء الجمهور، حتى يتعرف الناس إلى القيمة التاريخية والفنية لهذه المقتنيات. وتؤكد المصادر أن الحمادي بدأ رحلة اقتناء هذه النوادر منذ سنوات طويلة، وجمع آلاف القطع من المخطوطات والمصاحف والمحابر والأقلام والأوراق، من عصور وبلدان مختلفة.
إن مشاهدة هذه المقتنيات تجعلنا ندرك أن قيمتها لا تقاس بالذهب أو المادة، وإنما بما تحمله من ذاكرة إنسانية وحضارية وروحية امتدت عبر مئات السنين.
وفي ختام هذه الرحلة، لا يسعنا إلا أن نتقدم بالشكر والتقدير للفنان والخطاط علي الحمادي على هذا الجهد الكبير، وعلى إتاحة الفرصة للجمهور للتعرف إلى جانب مهم من تاريخ الخط العربي ومقتنياته وأدواته.
فما نشاهده في دقائق داخل المعرض هو في الحقيقة حصيلة سنوات طويلة من البحث والاقتناء والعناية والتوثيق، وهي رحلة تستحق التقدير لأنها لا تحفظ مقتنيات قديمة فحسب، بل تحفظ جزءًًا من الذاكرة الثقافية والحضارية العربية والإسلامية، وتقدمها للأجيال الجديدة بصورة تجعل الحرف العربي حاضرًًا، نابضًًا، وقادرًًا على رواية تاريخ طويل من الإبداع والجمال.
