Site icon NL NEWS Agency

من عربستان إلى الأهواز: حكاية الأرض التي تقاوم النسيان

الصحفي : محمد رائد كعكة

في ظل الحرب الطاحنة الدائرة حاليًا بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، والتي خلّفت أعدادًا كبيرة من القتلى والجرحى، عادت إلى الواجهة مجددًا نقاشات قديمة متجددة حول مستقبل الدولة الإيرانية وإمكانية إعادة تشكيلها. فمع تصاعد المواجهات العسكرية وتزايد الخسائر البشرية والاقتصادية، طُرحت مشاريع ورؤى تتعلق بإعادة رسم خارطة إيران وفق خطوط قومية وإثنية، في ظل تعدد القوميات داخلها، من عرب وبلوش وأكراد وآذريين وغيرهم، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول مصير هذه الشعوب وحقوقها التاريخية.

ضمن هذا السياق، تبرز قضية إقليم الأهواز – أو ما يُعرف تاريخيًا بـ”عربستان” – كواحدة من أبرز القضايا التي تستحق تسليط الضوء عليها، ليس فقط من زاوية سياسية آنية، بل باعتبارها قضية ذات جذور تاريخية عميقة. فقد كانت الأهواز إمارة عربية مستقلة يحكمها الشيخ خزعل الكعبي، إلى أن قامت الدولة الإيرانية بقيادة رضا شاه عام 1925 بضم الإقليم بالقوة، منهية بذلك كيانًا عربيًا كان يتمتع بقدر من الاستقلال والسيادة.

ومنذ ذلك الحين، لم تهدأ حركة المقاومة في الأهواز، حيث نشأت العديد من حركات التحرر العربية التي سعت إلى استعادة الهوية العربية للإقليم، ومقاومة سياسات الطمس والتفريس. وقد برز عدد من القادة والنشطاء الذين حملوا هذه القضية، سواء عبر العمل السياسي أو النضال الميداني، مؤكدين على أن الأهواز ليست مجرد منطقة جغرافية، بل قضية شعب يسعى للحفاظ على وجوده وهويته.

كما لعبت الأهواز دورًا مهمًا خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980–1988)، حيث كانت أراضيها مسرحًا رئيسيًا للمعارك، نظرًا لموقعها الاستراتيجي وثرواتها النفطية. وقد عانى سكانها من ويلات الحرب، إضافة إلى معاناتهم المستمرة من السياسات الإيرانية التي استهدفت هويتهم العربية، من خلال التغيير الديموغرافي، ومنع استخدام اللغة العربية في المؤسسات، والتضييق الثقافي والاقتصادي.

إن التأكيد على عروبة الأهواز ليس مجرد شعار، بل حقيقة تاريخية وثقافية، حيث يشكل العرب الغالبية السكانية في الإقليم، ولهم امتدادهم الطبيعي مع محيطهم العربي. ورغم محاولات طمس الهوية، لا يزال سكان الأهواز متمسكين بلغتهم وثقافتهم وتاريخهم، في مواجهة مظاهر الاضطهاد التي تشمل التهميش الاقتصادي، ومصادرة الأراضي، والتلوث البيئي الناتج عن مشاريع صناعية غير مدروسة، فضلًا عن القمع الأمني.

كما أن تمسك إيران بإقليم الأهواز لا ينفصل عن هواجسها الاستراتيجية، إذ تدرك أن أي تنازل عن هذا الإقليم قد يشكل سابقة خطيرة، ويفتح الباب أمام مطالبات مماثلة من قوميات أخرى داخلها، وهو ما قد يؤدي إلى تفكك الدولة. لذلك، تنظر طهران إلى الأهواز باعتبارها خطًا أحمر لا يمكن التفريط فيه، مهما بلغت الضغوط.

ورغم كل هذه التحديات، يبقى الأمل حاضرًا. فالتغيرات الإقليمية والدولية، إلى جانب تصاعد الوعي بالقضايا القومية وحقوق الشعوب، قد تفتح نافذة جديدة أمام قضية الأهواز. وبينما تتغير موازين القوى، يظل حلم التحرر قائمًا في وجدان أبناء الإقليم، الذين يرون في المستقبل فرصة لاستعادة حقوقهم، وإعادة إحياء “عربستان” ككيان يعكس هويتهم وتطلعاتهم.

وفي النهاية، تبقى قضية الأهواز شاهدًا حيًا على صراع الهوية والحقوق، وعلى إصرار الشعوب على البقاء، مهما طال الزمن وتعاظمت التحديات.

كاتب

Exit mobile version