تقرير : محمد رائد كعكة
لم تتوقف تداعيات الهجوم الدموي الذي استهدف كنيسة في محافظة الكرك الأردنية عند حدود المملكة، بل امتدت إلى الأراضي السورية، بعدما نفذ سلاح الجو الأردني غارات على مناطق في جنوب سوريا، خلفت قتلى وجرحى من المدنيين، بينهم نساء وأطفال، لتفتح فصلا جديدا من التوتر بين دمشق وعمان، وتثير تساؤلات حول حدود الرد العسكري، واحترام السيادة الوطنية، ومدى قدرة الحكومة السورية على حماية مواطنيها.
من جريمة الكرك إلى قصف الأراضي السورية
بدأت الأحداث يوم الجمعة 23 أكتوبر 2026، عندما هاجم ثلاثة مسلحين مراسم تشييع داخل كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك الأردنية، ما أسفر عن مقتل تسعة أشخاص وإصابة 34 آخرين، في اعتداء أثار موجة واسعة من الإدانات.
وأعلنت السلطات الأردنية لاحقا اعتقال المشتبه بهم الثلاثة، وهم أردنيون تربطهم صلات قرابة، بعد اشتباكات مسلحة مع قوات الأمن.
ورغم نجاح الأجهزة الأمنية الأردنية في الوصول إلى المتهمين، انتقلت المواجهة إلى الأراضي السورية يوم الاثنين 26 أكتوبر، عندما أعلن الجيش الأردني تنفيذ عملية جوية حملت اسم «الردع الأردني – حمود»، استهدفت مواقع قال إنها تابعة لتنظيمات إرهابية مرتبطة بمنفذي الهجوم.
غير أن الضربات التي قدمتها عمان باعتبارها إجراء أمنيا لمكافحة الإرهاب، أسفرت أيضا عن سقوط ضحايا مدنيين سوريين، ما نقل القضية من ملاحقة مرتكبي جريمة داخل الأردن إلى أزمة عسكرية وسياسية بين دولتين جارتين.
ضحايا مدنيون وأسئلة حول مسؤولية الأردن
بحسب الحصيلة التي أعلنتها الجهات الصحية السورية، أسفرت الغارات عن مقتل سبعة مدنيين وإصابة ثلاثة آخرين، بينهم أطفال ونساء، بعدما طالت الضربات مواقع في محافظة درعا، فيما تحدثت تقارير عن استهداف مناطق في السويداء أيضا.
وأعلنت الحكومة الأردنية أن العملية استهدفت مواقع لتنظيم داعش، مؤكدة أنها أوقعت خسائر في صفوف التنظيم، وقدرت حصيلتها الأولية بأكثر من عشرين عنصرا، إضافة إلى تدمير مستودع للأسلحة.
وفي المقابل، أعربت عمان عن أسفها لسقوط ضحايا مدنيين، وقالت إنها اتخذت الاحتياطات اللازمة لتجنب إصابتهم.
لكن هذا التفسير يترك أسئلة جوهرية لم تجد إجابات واضحة حتى الآن: ما طبيعة المعلومات الاستخباراتية التي استندت إليها الغارات؟ وما الإجراءات التي اتخذت للتحقق من وجود المدنيين قرب المواقع المستهدفة؟ وهل كانت هناك بدائل أمنية أقل خطورة، خاصة في ظل وجود قنوات اتصال بين البلدين؟
كما يثير تنفيذ الضربات بعد اعتقال منفذي هجوم الكنيسة تساؤلات إضافية حول مدى الضرورة العسكرية للعملية، والعلاقة الفعلية بين المعتقلين والمواقع المستهدفة داخل سوريا.
فمكافحة الإرهاب، مهما بلغت أهميتها، لا تعفي أي دولة من واجب حماية المدنيين واحترام قواعد القانون الدولي، كما أن سقوط الأبرياء يستوجب تحقيقا جديا وشفافا، لا الاكتفاء بإعلان الأسف.
دمشق تندد.. ولكن هل يكفي التنديد؟
على الجانب السوري، أصدرت وزارة الخارجية بيانا أدانت فيه الغارات الأردنية ووصفتها بأنها انتهاك للسيادة الوطنية واختراق غير مقبول للأجواء السورية، مؤكدة أن العملية لم يجر بشأنها أي تنسيق مسبق مع دمشق.
ورغم اللهجة الرافضة التي تضمنها البيان، فقد حرصت الحكومة السورية في الوقت ذاته على التأكيد على العلاقات التاريخية بين البلدين، وأعلنت العمل على تشكيل لجنة ميدانية وأمنية مشتركة لمعالجة تداعيات الحادثة ومنع تكرارها.
ويضع هذا الموقف حكومة الرئيس أحمد الشرع أمام تساؤلات تتعلق بفاعلية أدواتها الدبلوماسية وقدرتها على ضمان عدم تكرار عمليات عسكرية أجنبية داخل الأراضي السورية.
فالإدانة السياسية تمثل موقفا رسميا ضروريا، لكنها لا تشكل وحدها ضمانة لحماية المدنيين أو لمنع انتهاكات مستقبلية.
وكان يمكن أن يترافق الموقف السوري مع إعلان أكثر تفصيلا عن آليات التحقيق، والمطالبة بكشف المعلومات المتعلقة بالأهداف التي قصفت، وطرح مسألة التعويضات وجبر الضرر لأسر الضحايا، إلى جانب تحديد الإجراءات الدبلوماسية والقانونية التي يمكن اللجوء إليها.
ولا يعني ذلك الدعوة إلى مواجهة عسكرية مع الأردن، فالبلدان يمتلكان مصالح أمنية واقتصادية مشتركة، لكن تجنب التصعيد لا ينبغي أن يأتي على حساب حق الضحايا في معرفة الحقيقة أو حق الدولة في حماية سيادتها.
تداعيات تتجاوز الحدود العسكرية
لم تقتصر آثار الأزمة على الخسائر البشرية، إذ أعلنت السلطات السورية إغلاق معبر نصيب الحدودي وتعليق حركة المسافرين والشاحنات، في تطور انعكس على الحركة التجارية وعمليات النقل بين البلدين.
وكشفت هذه التطورات عن هشاشة الاستقرار في المناطق الحدودية، وعن قدرة أي تصعيد أمني على التأثير المباشر في مصالح المواطنين والاقتصاد المحلي.
كما أعادت الأزمة طرح إشكالية التنسيق الأمني بين دمشق وعمان، خاصة مع تضارب الروايتين بشأن وجود تنسيق مسبق للغارات، إذ تحدث الجانب الأردني عن تعاون أمني قائم، بينما نفت دمشق علمها المسبق بالعملية العسكرية.
بين مكافحة الإرهاب واحترام السيادة
لا خلاف على أن الهجوم على كنيسة الكرك جريمة تستوجب الملاحقة والمحاسبة، وأن من حق الأردن اتخاذ الإجراءات المشروعة لحماية أمنه ومواطنيه.
لكن الخلاف يتمحور حول طبيعة هذه الإجراءات وحدودها، ومدى توافقها مع الالتزامات الدولية المتعلقة باحترام سيادة الدول وحماية السكان المدنيين.
وفي المقابل، تتحمل السلطات السورية مسؤولية مكافحة التنظيمات المسلحة التي قد تستخدم أراضي البلاد لتهديد دول الجوار، إلى جانب مسؤوليتها عن حماية السكان وضبط المناطق الحدودية ومنع تحولها إلى ساحات لعمليات عسكرية خارجية.
وبين الروايتين الأردنية والسورية، تبقى الحاجة ملحة إلى تحقيق يحدد الوقائع والمسؤوليات، ويكشف ما إذا كانت الضربات قد التزمت بقواعد التمييز والتناسب والاحتياطات الواجبة لحماية المدنيين.
أزمة تختبر الحكومتين
وضعت أحداث الكرك ودرعا الحكومتين الأردنية والسورية أمام اختبار يتجاوز التصريحات السياسية.
فالحكومة الأردنية مطالبة بتقديم توضيحات مقنعة بشأن سقوط المدنيين خلال عملياتها العسكرية، والحكومة السورية مطالبة بترجمة اعتراضها الدبلوماسي إلى خطوات واضحة تحفظ حقوق الضحايا وتعمل على منع تكرار الحادثة.
أما الضحايا، سواء الذين سقطوا داخل الكنيسة الأردنية أو تحت القصف في القرى السورية، فلا ينبغي أن يتحولوا إلى مجرد أرقام في بيانات رسمية متبادلة.
ويبقى السؤال الأهم: هل تنجح دمشق وعمان في تحويل هذه الأزمة إلى مسار تعاون أمني يحترم سيادة البلدين ويحمي المدنيين، أم أن غياب الشفافية والمحاسبة سيترك الباب مفتوحا أمام حوادث مماثلة مستقبلا؟
