الصحفي : محمد رائد كعكة
في هولندا، مثل كثير من دول أوروبا، لم يكن استقبال اللاجئين مجرد قرار سياسي، بل كان موقفاً إنسانياً واضحاً. فُتحت الأبواب، وتحرّك المجتمع، واعتقد كثيرون أن من يهرب من الحرب سيبحث تلقائياً عن الاستقرار، وسيقدّر الفرصة التي حصل عليها.
لكن الواقع لم يكن بهذه البساطة.
مع الوقت، بدأت تظهر مشاكل لا يمكن تجاهلها. ليس من باب التعميم، ولا من باب الهجوم على الجميع، بل لأن بعض السلوكيات صارت واضحة ومتكررة بشكل يفرض نفسه على النقاش العام.
هناك من جاء ليبدأ من جديد فعلاً، تعلّم اللغة، التزم بالقوانين، وحاول أن يكون جزءاً من المجتمع. لكن في المقابل، هناك من تصرّف وكأن البلد مجرد محطة مؤقتة لا تستحق الاحترام.
مشاكل مثل التحرش في الأماكن العامة، أو الاستهتار بالقوانين، أو الاعتماد الكامل على المساعدات دون أي محاولة للاندماج، كلها أمور بدأت تثير استياءً حقيقياً. أضف إلى ذلك عقلية الانغلاق، ورفض تقبّل قيم أساسية مثل حرية المرأة أو اختلاف الآخرين.
المشكلة الأكبر ليست فقط في هذه التصرفات، بل في الإصرار عليها أحياناً، وكأن المجتمع المضيف هو من يجب أن يتكيّف، لا العكس.
وهنا يبدأ التوتر.
لأن الناس في هولندا لم تفتح أبوابها لتُهان، ولم تقدّم الدعم لتُقابل بالاستهانة. ما كان في البداية تعاطفاً، بدأ يتحول إلى انزعاج، ثم إلى غضب عند البعض.
ولا يمكن إنكار أن هذا التحول انعكس سياسياً. فكل تصرّف سلبي، مهما كان فردياً، يُستخدم كدليل ضد الجميع، ويمنح أصواتاً إضافية لمن يريدون إغلاق الأبواب بالكامل.
بمعنى آخر: بعض الأخطاء الفردية لا تبقى فردية، بل تتحول إلى مشكلة جماعية.
وهناك جانب آخر لا يقل خطورة، وهو ما يحدث على الإنترنت. بعض الأشخاص، وهم يعيشون بأمان في أوروبا، يواصلون نشر خطاب الكراهية والانقسام تجاه بلدانهم الأصلية أو حتى تجاه غيرهم هنا. هذا لا يدل فقط على فشل في الاندماج، بل على نقل نفس المشاكل إلى مكان جديد.
وهنا تظهر حقيقة غير مريحة: ليس كل من كان ضحية، يبقى ضحية دائماً.
المعاناة لا تعطي أحداً الحق في تجاوز القوانين أو فرض أفكاره على الآخرين. واللجوء ليس مجرد حق، بل مسؤولية أيضاً.
المطلوب ليس القسوة، ولا رفض الناس، بل الوضوح.
من يريد أن يعيش في هذا المجتمع، عليه أن يحترم قواعده. ومن يرفض ذلك، فهو لا يسيء لنفسه فقط، بل يسيء لكل من يحاول أن يندمج ويعيش بسلام.
وهكذا، فإن النقاش الدائر في هولندا اليوم يتجاوز مسألة اللجوء بحد ذاتها، ليطرح سؤالاً أعمق: كيف يمكن لمجتمع أن يظل إنسانياً دون أن يفقد قدرته على وضع الحدود؟ وكيف يمكن حماية فكرة التضامن من أن تتحول، بفعل سوء التطبيق أو سوء الاستغلال، إلى عبء يهدد استمراريتها؟
أسئلة مفتوحة، لا تزال تبحث عن إجابات، في واقع يتغير بسرعة، ويفرض على الجميع إعادة النظر، بعيداً عن التبسيط، وبعيداً عن الإنكار.
