Site icon NL NEWS Agency

مليون صوت… فضاء أوروبي واحد

بروكسل : خالد فيصل الطويل

بعد 14 عامًا من النجاح، أثبتت مبادرة المواطنين الأوروبيين (ECI) أنها لم تعد مجرد تجربة. فمع تجاوز أربع مبادرات عتبة المليون توقيع في عام 2025، أصبحت هذه الآلية تحمل مسؤولية مؤسسية حقيقية. غير أن السؤال الأساسي يبقى: كيف يمكن للنظام السياسي تحويل مليون توقيع إلى تشريعات ملموسة داخل الاتحاد الأوروبي؟

تصدّرت مبادرة المواطنين الأوروبيين جدول أعمال اليوم الثاني من أسبوع المجتمع المدني الذي نظّمته اللجنة الاقتصادية والاجتماعية الأوروبية في 3 مارس. وتُعد هذه المبادرة آلية تشاركية في الاتحاد الأوروبي تهدف إلى تعزيز الديمقراطية التشاركية، إذ تتيح لما لا يقل عن مليون مواطن من دول الاتحاد مطالبة المفوضية الأوروبية باقتراح تشريع في مجال نقلت فيه الدول الأعضاء صلاحياتها إلى مستوى الاتحاد. ومنذ دخول المبادرة حيّز التنفيذ عام 2012، جُمِع أكثر من 24 مليون توقيع.

وفي بيان أصدرته المفوضية الأوروبية في نوفمبر 2025 حول درع الديمقراطية الأوروبية، تم التأكيد على أن مبادرة المواطنين الأوروبيين تُعد أداة محورية لتعزيز مشاركة المواطنين، لما لها من دور مهم في حماية الديمقراطية الأوروبية والمجتمع المدني. وخلال بضعة أشهر فقط، تجاوزت أربع مبادرات عتبة المليون توقيع، ما يعكس قدرة كبيرة على تعبئة المواطنين على نطاق واسع. وهذا يثبت أن مشاركة المواطنين ممكنة وضرورية، لضمان سماع أصوات الأقليات والفئات التي تتعرض للاضطهاد.

وقالت ماريا ديل كارمن باريرا شامورو، رئيسة مجموعة مبادرة المواطنين الأوروبيين في اللجنة الاقتصادية والاجتماعية الأوروبية:

«ما كان في السابق فكرة طموحة وجديدة أصبح اليوم أداة فريدة عابرة للحدود لتعزيز الديمقراطية التشاركية، إذ يمنح الأوروبيين فرصة للمشاركة في تحديد الأجندة السياسية على المستوى الأوروبي».

ومع ذلك، شدّد المشاركون على أن نجاح المبادرة يعتمد أيضًا على كيفية استجابة المؤسسات الأوروبية لها. فهذه المبادرات تضع مسؤولية واضحة على عاتق مؤسسات الاتحاد الأوروبي: مسؤولية التعامل معها بجدية، والانخراط السياسي معها، ومتابعتها بإجراءات ذات معنى. فالمبادرات الناجحة لا ينبغي أن تنتهي بمجرد رد رسمي، لأن ذلك قد يخلق شعورًا بالإحباط وانعدام الثقة. ووفقًا لاستطلاع يوروباروميتر الأخير، يرى 49٪ من الأوروبيين أن التحدي الأخطر للديمقراطية يتمثل في تزايد فقدان الثقة بالمؤسسات والعمليات السياسية.

من جهتها، أكدت تيريزا أنجينيو، أمينة المظالم الأوروبية، أن:

«حتى عندما تلتزم المؤسسات بالكامل بقواعد مبادرة المواطنين الأوروبيين، قد يشعر المواطنون بأن النتائج غير عادلة أو غير شفافة أو غير مستجيبة. فالواقع غالبًا أكثر تعقيدًا مما يمكن لصانعي القرار توقعه، ولا يمكن للقواعد الرسمية أن تتنبأ بكل الحالات. وهنا يبرز الدور المهم لأمينة المظالم الأوروبية، حيث يوفر مكتبي آلية مستقلة تمكّن المواطنين من طرح مخاوفهم وتوفر رقابة تتجاوز مجرد الالتزام القانوني».

كما شارك شيموس بولاند، رئيس اللجنة الاقتصادية والاجتماعية الأوروبية، في النقاش، مؤكدًا أن حماية الديمقراطية اليوم تعني الثقة بالمواطنين والاستماع إليهم والانخراط معهم. وقال:

«الديمقراطية والمجال المدني يواجهان ضغوطًا متزايدة، والثقة في المؤسسات تتآكل. لكن المشاركة المدنية هي أحد أهم المسارات لتجديد الوعد الاجتماعي والديمقراطي لأوروبا. نحن بحاجة إلى إجراءات أقوى وأكثر فعالية وشمولًا لحماية الديمقراطية الأوروبية، ومن بينها أدوات الديمقراطية التشاركية مثل مبادرة المواطنين الأوروبيين. فعندما يشعر المواطنون بأن أصواتهم مسموعة، تصبح الديمقراطية أقوى».

وفي السياق ذاته، أشار يونوس عمرجيه، نائب رئيس البرلمان الأوروبي، إلى أن مبادرة المواطنين الأوروبيين تجسد فكرة ديمقراطية عميقة، وليست مجرد أداة إجرائية. وقال:

«إنها جسر بين المشاركة والتمثيل، وإشارة إلى أن شرعية الاتحاد الأوروبي تُغذّى أولًا وقبل كل شيء من خلال انخراط مواطنيه».

وخلال يوم مبادرة المواطنين الأوروبيين، تم عرض عشر مبادرات مختلفة، من بينها:

كما عرض ماتيو كاديدو نتائج مبادرة «صوتي، اختياري» (My Voice, My Choice)، موضحًا أن المفوضية الأوروبية اتخذت الأسبوع الماضي قرارًا وصفه بالتاريخي، حيث أكدت رسميًا إمكانية استخدام الأموال الأوروبية لتحسين الوصول إلى خدمات الإجهاض الآمن في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي، ليس فقط لتغطية الإجراءات الطبية نفسها كما طُلب في البداية، بل أيضًا لتغطية تكاليف السفر. وأضاف:

«ورغم أن هذا القرار لا يطابق تمامًا ما طلبناه – حيث كنا قد دعونا أيضًا لإنشاء صندوق مخصص – فإنه يفتح الطريق للعمل مع دول الاتحاد الأوروبي لتحقيق تقدم أكبر».

وفي ختام النقاش، أشار ماروش شيفتشوفيتش، المفوض الأوروبي للتجارة والأمن الاقتصادي والعلاقات بين المؤسسات والشفافية، إلى الزخم الذي تخلقه هذه المبادرة، قائلًا:

«تتيح مبادرة المواطنين الأوروبيين للناس في جميع الدول الأعضاء البقاء منخرطين بشكل نشط في سياسات الاتحاد الأوروبي، والأرقام تؤكد شعبية هذه الأداة في تحديد الأجندة السياسية».
وأضاف: «ومع استعدادنا للمراجعة الدورية القادمة للائحة مبادرة المواطنين الأوروبيين، لدينا فرصة لجعلها أكثر تأثيرًا وفعالية. وتجاربكم الميدانية فريدة وأساسية، لذلك أشجعكم على المساهمة في رسم مستقبل هذه المبادرة».

كاتب

Exit mobile version