
امستردام – محمد رائد كعكة
شهدت عدة مدن هولندية، مساء الأربعاء 7 أكتوبر 2026، مظاهرات ووقفات تضامنية مع الشعب الفلسطيني، تزامناً مع الذكرى الثالثة للأحداث التي اندلعت في 7 أكتوبر 2023 وما أعقبها من حرب مدمرة في قطاع غزة، وسط مطالبات بإنهاء معاناة المدنيين ووقف العنف وإحلال السلام.
وفي الوقت الذي اتخذت فيه معظم الفعاليات طابعاً تضامنياً، أثارت مظاهرة في ساحة الدام بالعاصمة أمستردام جدلاً سياسياً واسعاً، بعدما رفع بعض المشاركين شعارات مؤيدة لحركة حماس وأحداث السابع من أكتوبر، الأمر الذي أثار غضب رئيسة البلدية فيمكي هالسيما (Femke Halsema)، وانتهى بقرار رسمي بفض المظاهرة.
مظاهرات من أوترخت إلى روتردام وأرنهيم
في محطة أوترخت المركزية، تجمع نحو 100 متظاهر حاملين الأعلام الفلسطينية ولافتات تطالب بإنهاء الحرب والاحتلال، إلى جانب قطعة قماش حمراء طويلة ترمز إلى الخط الأحمر الذي يرى المحتجون أن المجتمع الدولي تجاوز حدوده أمام ما يجري في غزة.
وامتدت التحركات التضامنية إلى روتردام وأرنهيم، حيث شهدت محطة روتردام المركزية ومحيط جسر جون فروست في أرنهيم تجمعات مماثلة، فيما كانت مدينة لايدن من بين المدن التي شملتها الفعاليات المعلنة.
وهدفت هذه التحركات، بحسب منظميها، إلى إبقاء القضية الفلسطينية حاضرة في الرأي العام الهولندي، والضغط باتجاه اتخاذ مواقف سياسية أكثر فاعلية لحماية المدنيين وإنهاء معاناتهم.
أمستردام.. شعارات تشعل الجدل
في العاصمة أمستردام، تجمع نحو 150 متظاهراً في ساحة الدام، حاملين الأعلام الفلسطينية والكوفية التقليدية، فيما قرأ بعض المشاركين أسماء ضحايا الحرب في غزة.
لكن المظاهرة اتخذت منحى مثيراً للجدل بعدما رفع بعض المشاركين لافتة خضراء تحمل عبارة «نحن ندعم حماس»، إلى جانب شعارات تمجد أحداث 7 أكتوبر 2023، التي شهدت هجوماً نفذته حماس وجماعات فلسطينية أخرى داخل إسرائيل وأسفر عن مقتل نحو 1200 شخص واحتجاز رهائن.
وأثارت هذه الشعارات ردود فعل غاضبة، خصوصاً أن رفعها جاء بالتزامن مع إحياء الذكرى الثالثة للهجمات، وفي موقع رمزي بارز وسط العاصمة الهولندية.
وأعربت رئيسة بلدية أمستردام عن استنكارها الشديد لهذه التصرفات، ووصفتها بأنها صادمة ومثيرة للاشمئزاز، معتبرة أن استغلال حرية التظاهر للتعبير عن تأييد تلك الهجمات أمر مؤلم وغير مقبول من وجهة نظرها.
ورغم ذلك، أكدت السلطات أن النيابة العامة اطلعت على الشعارات وخلصت إلى أنها لا تشكل، في سياقها المعروض، مخالفة جنائية تستوجب التدخل، الأمر الذي حال دون مصادرتها أو توقيف حامليها لمجرد رفعها.
قرار بفض المظاهرة دون مواجهات واسعة
ومع انتقال مجموعة من المتظاهرين من ساحة الدام باتجاه وسط المدينة، تدخلت الشرطة لمنع توجههم نحو منطقة تضم عدداً من المباني والمؤسسات اليهودية، ووجهتهم نحو محيط مبنى البلدية المعروف باسم «ستوبيرا» (Stopera).
وبعد رفض بعض المشاركين الالتزام بتعليمات الشرطة بشأن مسار المظاهرة، تصاعدت المخاوف من اضطرابات محتملة، ما دفع رئيسة البلدية إلى إصدار أمر بإنهاء التجمع عند الساعة الثامنة والربع مساءً تقريباً.
وتدخلت قوات مكافحة الشغب لتفريق المشاركين، الذين غادروا المنطقة دون وقوع مواجهات واسعة، وفق المعلومات المنشورة.
حرية التظاهر ليست امتيازاً تمنحه السلطات
بعيداً عن الجدل الذي أثارته بعض الشعارات، تعيد هذه الأحداث طرح سؤال أساسي حول حدود حرية التعبير والتظاهر في المجتمعات الديمقراطية، ومدى قدرة السلطات على التوفيق بين حماية الحريات العامة والحفاظ على الأمن والنظام العام.
فحرية التظاهر ليست امتيازاً تمنحه الحكومات لمن يتفقون معها في الرأي، بل هي حق أساسي يجب أن يتمتع به الجميع، حتى عندما تكون الرسائل المطروحة مثيرة للجدل أو مخالفة لتوجهات السلطة السياسية.
ومن المهم هنا التمييز بين التضامن المشروع مع الشعب الفلسطيني والمطالبة بحقوقه، وبين تأييد أعمال العنف ضد المدنيين. كما ينبغي عدم تحميل آلاف المتضامنين مسؤولية شعارات يرفعها أفراد أو مجموعات محدودة داخل مظاهرة.
إن رفض خطاب معين أو استنكاره سياسياً وأخلاقياً لا يعني بالضرورة أن يصبح محظوراً قانونياً، فالسلطات في دولة ديمقراطية مطالبة بحماية حرية التعبير ضمن حدود القانون، لا بمصادرتها استجابة للضغوط أو الخلافات السياسية.
وفي المقابل، فإن ممارسة هذه الحرية تقتضي احترام سلامة الآخرين، والامتناع عن التحريض على العنف والكراهية، والالتزام بالضوابط القانونية التي تكفل حق الجميع في التعبير السلمي.
إن قوة الديمقراطية لا تُقاس بقدرتها على حماية الأصوات التي ترضي الأغلبية فحسب، وإنما أيضاً بقدرتها على حماية حق المختلفين معها في التعبير السلمي، دون انتقائية أو تمييز.
وتبقى المظاهرات المؤيدة لفلسطين في هولندا انعكاساً لحضور القضية الفلسطينية في النقاش المجتمعي والسياسي، في وقت تظل فيه المطالبة بحماية المدنيين ووقف معاناتهم رسالة إنسانية لا ينبغي أن تضيع وسط الجدل بشأن شعارات بعض المتظاهرين، وهو ما يطرح تساؤلاً جوهرياً حول قدرة الديمقراطيات الأوروبية على حماية حرية التظاهر باعتبارها حقاً أصيلاً، ومنع تحول المظاهرات إلى ساحات للتحريض على العنف، دون أن يصبح الخلاف السياسي ذريعة لتقييد الحريات أو الانتقاص منها.





