Site icon NL NEWS Agency

ما بعد الصواريخ — من يرسم خريطة العالم الجديد؟

الصحفي : محمد رائد كعكة

انتهت حرب الصواريخ، أو على الأقل انتهت مرحلتها الأكثر صخباً. لكن الصمت الذي تلاها لا يعني السلام، بل بداية مرحلة أكثر تعقيداً وخطورة. فالتاريخ يعلمنا أن نهاية المعارك العسكرية لا تعني نهاية الصراع، بل غالباً ما تكون بداية لحرب من نوع آخر: حرب الاقتصاد، والنفوذ، وإعادة رسم موازين القوى في العالم.

في خضم التوترات الأخيرة، ظهر خطاب يقول إن الولايات المتحدة وإسرائيل خرجتا خاسرتين، بينما خرجت إيران منتصرة. غير أن قراءة المشهد الجيوسياسي لا يمكن أن تُختزل في ثنائية “منتصر ومهزوم”. ففي عالم السياسة الدولية، كثيراً ما تكون النتائج أكثر تعقيداً من سردية الانتصار الواضح. ومع ذلك، فإن مجرد بقاء النظام الإيراني واستمرار قدرته على الردع يمثل، بالنسبة لأنصاره، دليلاً على أنه تجاوز أخطر اختبار عسكري وسياسي في تاريخه الحديث.

الردع في السياسة لا يعني القضاء على الخصم، بل رفع كلفة المواجهة إلى حد يجعل استمرارها غير مجدٍ. فإذا وصلت الأطراف المتصارعة إلى قناعة بأن الحرب لن تحقق أهدافها السياسية، يصبح التراجع أو التفاوض خياراً عقلانياً. هذا ما يفسر التحولات التي كثيراً ما نشهدها بعد الحروب القصيرة أو المكلفة: فجأة تنتقل المعركة من الميدان العسكري إلى طاولة المفاوضات.

الاقتصاد لعب دائماً دوراً حاسماً في الحروب الحديثة. ارتفاع أسعار الطاقة، اضطراب الأسواق، وضغط الرأي العام الداخلي كلها عوامل قادرة على تغيير مسار القرارات السياسية. فالدول الكبرى، مهما بلغت قوتها العسكرية، تبقى مقيدة باعتبارات الاقتصاد الداخلي واستقرارها الاجتماعي. ولهذا كثيراً ما تتحول الحروب الطويلة أو المكلفة إلى عبء سياسي على قادتها.

إلى جانب ذلك، يبرز عامل آخر لا يقل أهمية: التحالفات الدولية. النظام العالمي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية قام على شبكة معقدة من الشراكات والاصطفافات. لكن الأزمات الكبرى غالباً ما تكشف حدود هذه التحالفات، خصوصاً عندما تتعارض المصالح الاقتصادية أو الاستراتيجية بين الحلفاء. وعندما تبدأ القوى الكبرى في البحث عن حلول خارج إطار تحالفاتها التقليدية، فهذا مؤشر على تغيرات أعمق في موازين القوى الدولية.

ما نشهده اليوم قد يكون جزءاً من تحوّل أوسع في النظام العالمي. فالتنافس بين القوى الكبرى، وصعود قوى جديدة، وتزايد دور الاقتصاد والطاقة في السياسة الدولية كلها عوامل تشير إلى أن العالم يتجه نحو مرحلة مختلفة عن تلك التي عرفناها في العقود الماضية.

لكن الأهم من كل ذلك أن التاريخ نادراً ما يكتب نهايات واضحة وسريعة. الحروب التي تبدو قصيرة قد تترك آثاراً تمتد لعقود. والنتائج التي تبدو محسومة في لحظة معينة قد تتغير مع مرور الوقت. لذلك ربما يكون السؤال الحقيقي ليس من انتصر اليوم، بل كيف سيُعاد تشكيل النظام الدولي في السنوات القادمة.

إن الصواريخ قد صمتت مؤقتاً، لكن الصراع على النفوذ لم يتوقف. فالعالم يدخل مرحلة جديدة من المنافسة الجيوسياسية، حيث لا تُحسم المعارك دائماً في ميادين القتال، بل في الاقتصاد، والتحالفات، والقدرة على الصمود طويل الأمد.

وبينما يحاول الجميع تفسير ما حدث، يبقى أمر واحد مؤكداً: التاريخ لا يتوقف عند نهاية حرب، بل يبدأ منها فصلاً جديداً.

كاتب

Exit mobile version