الصحفي خالد فيصل الطويل
الحفاظ على التراث ليس ترفاً ثقافياً، بل هو ضرورة حيوية لأي مجتمع يسعى إلى فهم ذاته وبناء مستقبله على أسس راسخة. وعندما نتحدث عن اللغة، فإننا لا نتحدث فقط عن وسيلة تواصل، بل عن وعاء للذاكرة الجماعية، وتعبير حي عن تاريخٍ طويل من التجارب والآمال. من هنا تبرز أهمية الحفاظ على اللغة الآرامية/السريانية، بوصفها جزءاً أصيلاً من هوية هذه المنطقة ووجدانها.
صحيح أن تدريس هذه اللغة (السورية القديمة) موجود في الجامعات السورية ضمن مقررات اللغات الشرقية القديمة كمادة اختيارية إلى جانب العبرية والفارسية، وأن هناك بعض المبادرات الفردية الفيزيائية أو الإلكترونية التي تحاول إبقاءها حيّة، إلا أن هذه الجهود، على أهميتها، تبقى محدودة الأثر. فهي تصل إلى شريحة ضيقة من المهتمين، وغالباً ما تأتي متأخرة، بعد أن يكون الانقطاع اللغوي قد بدأ فعلاً بين الأجيال الجديدة.
المشكلة الحقيقية تكمن في غياب التأسيس المبكر. فاللغة، كأي مهارة، تحتاج إلى أن تُزرع في سنوات الطفولة الأولى، حيث يكون العقل أكثر قابلية للاكتساب، وحيث تتشكل العلاقة العاطفية مع الكلمات والأصوات. لذلك، فإن إدخال تعليم اللغة السريانية الآرامية في المرحلة التأسيسية في المناطق التي ما زال سكانها يتكلمون هذه اللغة، ولو لساعتين أسبوعياً، ليس مجرد اقتراح تعليمي، بل خطوة استراتيجية لإنقاذ هذا الإرث من التآكل التدريجي.
إن تعليم الأطفال كتابة اللغة يفتح أمامهم باباً لاكتشاف تراثهم بأنفسهم، بدلاً من تلقيه بشكل نظري أو سطحي. كما أن إعادة إحياء المفردات القديمة تمنح اللغة روحها الأصلية، وتمنع اختزالها في نطاق ضيق من الاستخدامات اليومية. أما القواعد، فهي التي تمنح هذا الكيان اللغوي تماسكه واستمراريته، وتحوّله من مجرد لهجة متداولة إلى لغة مكتملة الأركان.
ولا يقل الجانب الأدبي أهمية عن الجوانب الأخرى. فتعريف الطلاب بنماذج أدبية باللغة السريانية الآرامية يربطهم بإرث ثقافي غني، ويجعلهم يشعرون بأن هذه اللغة ليست فقط لغة الماضي، بل لغة قادرة على التعبير عن الحاضر أيضاً. وعندما يُشجَّع الأطفال على الكتابة والإبداع، وتُنظَّم لهم مسابقات وفعاليات، فإننا لا نحافظ على اللغة فحسب، بل نمنحها فرصة للتجدد والاستمرار.
حين تذبل اللغة… يضيع جزء منّا ، فالآرامية ليست ماضياً فقط… بل مسؤولية مستقبل الآرامية تموت ببطء… فهل ستملك الجهات المسؤولة شجاعة إنقاذها؟
رؤيتنا واضحة فبين جدران المدارس يبدأ إنقاذ الآرامية والتراث لا يُحفظ بالشعارات… بل بالتعليم، إنقاذ الآرامية يبدأ من حصة دراسية فهل من مستجيب؟!
في النهاية، الحفاظ على اللغة السريانية الآرامية ليس مسؤولية فئة محددة، بل هو التزام جماعي تجاه التاريخ والمستقبل معاً. فالأمم التي تهمل لغاتها، تفرّط بجزء من ذاكرتها، وتفقد أحد أهم عناصر تميزها. أما التي تصونها وتطوّرها، فهي لا تحمي ماضيها فقط، بل تفتح لنفسها آفاقاً أوسع في الحاضر والمستقبل.
