لا مكان للإرهاب و الإرهابين في مصر .. مصر تكشف خيوط أخطر مخطط مسلح ورسالة ندم تهز سرديات التطرف

القاهرة – داليا عطية

كشفت وزارة الداخلية المصرية تفاصيل مخطط إرهابي معقد كانت تقوده عناصر من حركة “حسم” المرتبطة بجماعة الإخوان، في محاولة لإعادة إنتاج العنف داخل الدولة المصرية، لكن ما يتجاوز سرد الوقائع الأمنية هذه المرة، هو الصوت الخارج من داخل التنظيم نفسه، صوت يعترف، وينهار، ويُدين ما كان يومًا يؤمن به.

في لحظة فارقة من تاريخ المواجهة مع الإرهاب، تكشف الوقائع أن ما شهدته مصر لم يكن مجرد تهديدات أمنية عابرة، بل معركة حقيقية لحماية حياة البشر واستقرار دولة كاملة من الانهيار.

لم تكن المواجهة فقط مع عناصر مسلحة، بل مع أفكار سعت لتبرير العنف وسلب الإنسان حقه في الحياة باسم شعارات زائفة.

وبينما كانت الدولة المصرية تتحرك لحماية مؤسساتها ومواطنيها، كانت هناك عائلات تدفع الثمن، وأرواح تُزهق، ومجتمع يقاتل من أجل البقاء.

هذا هو المعنى الحقيقي للمواجهة: دفاع عن الإنسان قبل أي شيء، وعن حقه في أن يعيش آمناً داخل وطنه، في مواجهة تنظيمات اختارت الدم طريقاً، قبل أن تعود بعض أصواتها اليوم لتُقرّ بالحقيقة متأخرة، أن ما حدث لم يكن ديناً، بل صراعاً على السلطة، دفع ثمنه الأبرياء.

القضية، كما عرضتها وزارة الداخلية المصرية، ليست مجرد عملية إحباط جديدة، بل امتداد لحرب طويلة خاضتها مصر ضد الإرهاب على مدار عقد كامل، دفعت خلالها أثمانًا بشرية ومادية باهظة.

من مداهمة وكر إرهابي في الجيزة عام 2025، إلى تتبع قيادات هاربة عبر الحدود، وصولًا إلى تفكيك شبكات تجنيد وتمويل وتدريب عابر للدول، تتكشف صورة شبكة منظمة سعت لاستهداف منشآت حيوية وأمنية، ضمن مشروع أوسع لضرب استقرار الدولة المصرية.

غير أن التحول الأهم في هذا الملف جاء عبر اعترافات القيادي الهارب علي محمود عبد الونيس، التي بدت أقرب إلى مراجعة قاسية للنفس منها إلى مجرد إقرار بالوقائع،عندما قال: التنظيم صور الحرب حرب دين وهي مش كده… هي كانت حرب سلطة… حرب كرسي”، في جملة تختصر واحدة من أخطر مغالطات الخطاب المتطرف.

يروي القيادي الهارب علي محمود عبد الونيس، ويبلغ من العمر 34 عامًا، تفاصيل انخراطه منذ سنوات الدراسة، مرورًا بتدريبه في قطاع غزة على “مضاد طيران، وهندسة المتفجرات، والقنص”، وصولًا إلى مشاركته في عمليات نوعية مثل استهداف كمين العجيزي، وتفجير محيط مركز تدريب الشرطة في طنطا، واغتيال العميد عادل رجائي أمام منزله، لكنه في لحظة فاصلة، يعيد تعريف كل ذلك قائلًا :” كفاية دم… كفاية أرواح الشباب اللي ضيعتوها “، موجّهًا رسالته إلى قيادات التنظيم التي ما زالت تدفع بعناصر جديدة إلى دوائر العنف.

الاعترافات تكشف أيضًا عن بنية تنظيمية أكثر تعقيدًا مما يظهر في العمليات نفسها؛ تنسيق مع تنظيمات مسلحة مثل “المرابطون”، وإنشاء معسكرات تدريب في دول مجاورة، ومحاولات لتطوير قدرات نوعية تصل إلى استهداف الطائرة الرئاسية باستخدام صواريخ محمولة على الكتف.

وسلطت الاعترافات الضوء على ما يمكن وصفه بـ”الجناح الناعم” للتنظيم، عبر منصات إعلامية مثل “مؤسسة ميدان” التي هدفت – وفق اعترافات القيادي الهارب علي محمود عبد الونيس – إلى تأليب الرأي العام، وزعزعة الثقة بين المواطن والدولة، تحت غطاء إعلامي.

لكن وسط هذا السرد المظلم، يبرز البعد الإنساني الأكثر تأثيرًا، ذلك الذي يصعب تزييفه أو توظيفه سياسيًا، يقول القيادي الهارب علي محمود عبد الونيس، وهو ينهار:” حسيت إني ضيعت عمري… لا شيء مقابل لا شيء “، ثم يوجه رسالة لابنه:” نفسك غالية فمضيعهاش… مفيش حاجة تستاهل إنك تضيع نفسك عليها “، في اعتراف يعكس انهيار السردية التي طالما استندت إليها التنظيمات المتطرفة لتجنيد الشباب.

بالنسبة لمصر، فإن هذا الملف لا يُقرأ فقط كنجاح أمني، بل كجزء من معركة أوسع ضد فكرة، فكرة تبرير العنف باسم الدين، وتحويل الصراع السياسي إلى ساحة دم، وهي معركة لم تكتفِ فيها الدولة المصرية بالمواجهة الأمنية، بل سعت إلى تفكيك البنية الفكرية والتنظيمية التي تغذي الإرهاب، بالتوازي مع الحفاظ على استقرار دولة تضم أكثر من مئة مليون إنسان في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطرابًا.

وفي عالم يتابع عن كثب تحولات التطرف، قد تكون هذه الشهادة بقدر ما هي إدانة لتجربة شخصية، وثيقة أوسع تكشف كيف ينتهي العنف، ليس بالنصر، بل بالندم.

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى