Site icon NL NEWS Agency

غرينلاند بين شهية الإمبراطورية وذاكرة الاستعمار

الصحفي محمد رائد كعكة

في السنوات الأخيرة، عاد اسم غرينلاند إلى الواجهة الدولية مع تصاعد التوتر الأمريكي-الدنماركي، بعد أن عبّر دونالد ترامب، خلال ولايته، صراحة عن رغبته في شراء غرينلاند، بل والتلويح بضمّها إلى الولايات المتحدة، في مشهد أعاد إلى الأذهان منطق القرن التاسع عشر: الأرض تُشترى، والشعوب تُتجاهل. لم تكن تصريحات ترامب زلّة لسان، بل كاشفة عن عقلية استعمارية ترى في الجغرافيا موردًا، وفي السكان الأصليين تفصيلًا ثانويًا يمكن تجاوزه.

المفارقة أن هذا الطموح الأمريكي لا يتجه نحو أرض “خالية”، بل نحو إقليم ما يزال يحمل جراح استعمار لم يُغلق بعد، استعمار دنماركي طويل قدّم نفسه بوصفه “إنسانيًا” و”تحضيريًا”، بينما مارس، في العمق، واحدة من أكثر سياسات الإبادة هدوءًا ومنهجية في التاريخ الحديث. وهكذا يبدو أن ترامب لا يحاول سوى وراثة مستعمِر قديم، واستكمال مشروع السيطرة على أرض سبق أن دُفع ثمنها من أجساد وذاكرة شعبها الأصلي.

من هنا، لا يمكن فهم أطماع اليوم دون العودة إلى تاريخ الأمس: تاريخ اضطهاد سكان غرينلاند الأصليين، شعب الإنويت، في ما يُسوَّق عالميًا على أنه “أسعد بلد في العالم”.

ترامب يستعد لسرقة السارق… واستعمار المستعمِر

سكان غرينلاند الأصليون هم شعب الإنويت، أو “كالاليت”، شعب ضارب في القدم، تشكّلت هويته عبر آلاف السنين في واحدة من أقسى البيئات التي عرفها الإنسان. قدم أسلافهم من الدائرة القطبية في ألاسكا وكندا، واستقروا في غرينلاند منذ أكثر من ألفي عام، حيث طوّروا نمط حياة متماسكًا قائمًا على الصيد البحري، وعلى معرفة دقيقة بالبحر والجليد والنجوم. لم يعرف هذا المجتمع الدولة المركزية ولا التراتبية القهرية، وكان نظامه الاجتماعي قائمًا على الخبرة والتكافل. عاش الإنويت في توازن عميق مع الطبيعة، وكان بقاؤهم ذاته شهادة على قدرة حضارية لا تقل قيمة عن حضارات الدفء والاستقرار.

غير أن هذا الوجود تعرّض للتفكيك المنهجي مع دخول الاستعمار الدنماركي، الذي لم يتخذ شكل الغزو العسكري المباشر، بل مسارًا طويلًا من الاختراق البطيء، وهو الشكل الأخطر من الإبادة.

بدأت السيطرة الدنماركية الفعلية سنة 1721، تحت غطاء التبشير الديني وإعادة الاتصال بالمستوطنات الإسكندنافية القديمة، وباسم “نشر الحضارة والمسيحية”. ومع تثبيت الوجود الدنماركي، أُنشئت مستوطنات بيضاء دائمة على السواحل، خُصصت للأوروبيين وحدهم، وضمت مراكز إدارية وتجارية وعسكرية وبعثات تبشيرية وعلمية. لم تكن هذه المستوطنات مجرد تجمعات سكنية، بل أدوات سيطرة أعيد عبرها تنظيم المجال الجغرافي بما يخدم المستوطن الأبيض، ويُقصي السكان الأصليين عن أراضيهم التقليدية ومناطق صيدهم.

فُرضت السيادة الدنماركية، وأُلغيت استقلالية الإنويت عمليًا، ووُضعوا تحت إدارة خارجية تتحكم في تنقلهم وتبادلهم التجاري ومواردهم. وبما أن الإنويت لم يعرفوا مفهوم الاحتلال أو الدولة المركزية، جرى إخضاعهم دون مقاومة منظّمة، ما سهّل تحويلهم تدريجيًا إلى عمّال هامشيين داخل اقتصاد استعماري لم يُنشأ لخدمتهم، بل لاستغلال أرضهم وموقعهم.

كانت الأمراض أولى أدوات الإبادة. جلب الأوروبيون معهم الجدري والسل وأوبئة لم يمتلك الإنويت أي مناعة ضدها، فهلكت أعداد كبيرة خلال عقود قليلة، واختفت قرى بأكملها دون أن يُسجَّل ذلك كجرائم قتل. هكذا جرى تقليص السكان الأصليين بصمت، بينما كانت المستوطنات البيضاء تنمو وتحظى بالحماية والموارد.

ثم جاءت الإبادة الاقتصادية. احتكرت الدنمارك التجارة ومنعت الإنويت من التبادل الحر، وربطت معيشتهم قسرًا بالمراكز الاستعمارية. حُطّم نمط الصيد التقليدي، وأُجبر السكان على الاستقرار في مجمّعات خاضعة للإدارة والجيش، ما دمّر بنيتهم الاجتماعية القائمة على الاكتفاء الذاتي، وحوّل الجوع والفقر إلى أدوات ضبط دائمة بيد المستعمِر.

تلا ذلك التدمير الثقافي. فُرضت اللغة الدنماركية، وصُنّفت لغة الإنويت كلغة “متخلّفة”. خُطف الأطفال من عائلاتهم وأُرسلوا إلى مدارس داخلية، غالبًا قرب المستوطنات البيضاء، حيث مُنعوا من التحدث بلغتهم أو ممارسة ثقافتهم. هذا الفصل القسري حطّم نقل الذاكرة الجماعية، وخلق أجيالًا معلّقة الهوية، لا تنتمي كليًا إلى ثقافتها الأصلية ولا تُقبَل بالكامل داخل ثقافة المستعمِر.

أما المرحلة الأخطر، فجاءت في القرن العشرين، حين انتقل الاستعمار إلى السيطرة على الجسد نفسه. ففي ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، نفّذت السلطات الدنماركية برنامجًا لتحديد نسل الإنويت، تم خلاله زرع اللولب الرحمي قسرًا لآلاف النساء والفتيات، أحيانًا دون علمهن أو موافقتهن. تشير الوثائق إلى أن ما يقارب نصف نساء الإنويت في سن الإنجاب خضعن لهذا الإجراء، ما تسبب لكثيرات بالعقم، إضافة إلى آلام مزمنة وصدمات نفسية عميقة. كان الهدف واضحًا: تقليص الوجود الديمغرافي للسكان الأصليين، وترسيخ هيمنة المستوطن الأبيض على الأرض والمستقبل.

وفي الخطاب الرسمي، أُعيد تعريف الإنويت بوصفهم “قاصرين” يحتاجون إلى وصاية، فجرى تجريدهم من حق القرار والسيادة والتحكم في مصيرهم. هكذا اكتمل الاحتلال لا كحدث مفاجئ، بل كواقع مفروض تشكّل خطوة خطوة، حتى صار وجود المستوطن الأبيض هو “الطبيعي”، ووجود السكان الأصليين استثناءً.

لم تُبِد الدنمارك شعب الإنويت بالسلاح وحده، بل بالمرض، والاقتصاد، والاستيطان، والتعليم القسري، والتحكم في الأرحام، ونزع السيادة. إنه نموذج استعمار حديث، أقل دموية في ظاهره، لكنه أعمق أثرًا، لأن نتائجه لا تُقاس بعدد القبور الجماعية فقط، بل بالمجتمعات المكسورة التي ما زالت تدفع الثمن حتى اليوم.

وفي هذا السياق، تبدو أطماع ترامب في غرينلاند محاولة لوراثة استعمار لم ينتهِ، لا لإنهائه، وكأن قدر هذه الأرض أن تبقى مطمعًا للإمبراطوريات، بينما يُطلب من شعبها الأصلي أن يختفي بصمت.

Exit mobile version