الصحفي : محمد رائد كعكة
في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد “التريند” مجرد مؤشر على موضوع شائع، بل تحوّل إلى قوة ناعمة تتحكم في الاهتمامات، وتعيد تشكيل الوعي الجمعي، وتفرض أنماط سلوك واستهلاك على الأفراد والمجتمعات. وما يبدو في ظاهره تسلية عابرة، يخفي في جوهره إشكالية عميقة تمس العقل، والقيم، والاقتصاد.
التريند كأداة للهيمنة على الوعي
تعتمد آليات التريند على التكرار، والإثارة، وصناعة الصدمة. ومع هذا التكرار المستمر، يصبح العقل الجمعي مهيأً لتلقي أي محتوى بوصفه مهمًا، حتى وإن كان فارغًا أو تافهًا.
بهذه الطريقة، لا يختار الناس ما يفكرون فيه، بل يُدفعون للتفكير فيما يُفرض عليهم أن يفكروا فيه.
في العالم العربي، نلاحظ كيف تتصدر مقاطع بلا قيمة فكرية، أو قضايا هامشية، قوائم الاهتمام، بينما تُهمّش قضايا التعليم، والبطالة، والفساد، والتنمية.
الهوس بالتريند: الشهرة بأي ثمن
في مجتمعاتنا العربية، برزت فئة من حثالات المجتمع الرقمي ممن لا يملكون علمًا ولا موهبة، لكنهم أدركوا أن الطريق إلى الشهرة لا يمر عبر القيمة، بل عبر الصدمة.
فنرى:
صانعي محتوى يفتعلون فضائح أخلاقية
استعراضًا فجًّا للثراء
إهانات متعمدة للأعراف الاجتماعية
محتوى هابط يستخف بالعقل الجمعي
كل ذلك بدافع واحد: أن يكونوا ترندًا، ولو على حساب الأخلاق والذوق العام.
نماذج عربية: حين يصبح التريند أسلوب حياة
في العالم العربي، يمكن ملاحظة اعتماد بعض المشاهير على منطق التريند أكثر من منطق الفن أو الرسالة.
على سبيل المثال، الجدل الدائم حول إطلالات وتصريحات محمد رمضان، حيث يتحول كل ظهور صادم إلى مادة رائجة، بغضّ النظر عن قيمته الفنية أو أثره المجتمعي.
كما نجد نماذج أخرى في عالم “المؤثرين”، حيث تُصنع الشهرة عبر الاستفزاز، لا عبر المحتوى الهادف.
حتى في عالم الأعمال، تحوّلت بعض الشخصيات إلى “تريند” دائم، مثل هدى قطّان، حيث أصبح النجاح التجاري مرتبطًا بقوة التريند أكثر من ارتباطه بحاجات المجتمع الفعلية، ما يعكس كيف باتت الشهرة الرقمية محرّكًا رئيسيًا للاقتصاد الاستهلاكي.
من المشاهير إلى رؤساء الدول
لم تتوقف ظاهرة التريند عند حدود الفن والإعلام، بل امتدت إلى السياسة.
أبرز مثال عالمي هو دونالد ترامب، الذي حوّل الخطاب السياسي إلى مادة جدلية قائمة على الاستفزاز والانتشار الإعلامي.
وفي السياق العربي، يمكن ملاحظة كيف بات بعض الخطاب السياسي أو الرسمي يُصاغ أحيانًا بمنطق “ما الذي سيحدث ضجة؟” بدل “ما الذي سيحل المشكلة؟”، وهو مؤشر خطير على تراجع العقلانية لصالح الشعبوية.
التريند والانهيار الاقتصادي الصامت
من أخطر آثار التريند في المجتمعات العربية تأثيره المباشر على الاقتصاد الفردي.
فالتريند يفرض:
موضات استهلاكية سريعة
هواتف، ملابس، مطاعم، وسفر “للصورة فقط”
ضغطًا نفسيًا لمجاراة نمط حياة لا يتناسب مع مستوى الدخل الحقيقي
النتيجة هي اختلال واضح بين الدخل ومتطلبات التريند، ما يؤدي إلى:
ديون شخصية
استنزاف مالي للأسر
هشاشة اقتصادية متزايدة، خاصة لدى الشباب
اقتصاد يُدار بمنطق التريند، هو اقتصاد يعيش على القروض والمظاهر، لا على الإنتاج.
ظاهرة التريند في العالم العربي ليست مجرد تقليد أعمى للغرب، بل أصبحت نمطًا ثقافيًا يهدد الوعي، ويكافئ التفاهة، ويهمّش القيم، ويضغط على الاقتصاد.
ومع غياب التفكير النقدي، يتحول المجتمع إلى جمهور منساق، لا يسأل: لماذا هذا تريند؟
بل يكتفي بالسؤال الأخطر: كيف أكون مثله؟
التريند قد يكون مؤشرًا،
لكنه لا يجب أبدًا أن يكون بوصلة مجتمع.
