الصحفي : محمد رائد كعكة
في عالمٍ تتراجع فيه فاعلية الخطابات الرنّانة وتتصاعد فيه حروب المصالح الصامتة، لم تعد القوة تُقاس بعدد التصريحات ولا بحدّة التهديدات، بل بعمق الأفعال وقدرتها على تغيير موازين القوى. وبينما اعتادت الولايات المتحدة إدارة صراعاتها عبر الضغط العلني والعقوبات المباشرة، اختارت الصين طريقًا مختلفًا: طريق الفعل الهادئ، المحسوب، وغير المتماثل. وما جرى في الساحة الفنزويلية شكّل نموذجًا صارخًا لهذا النهج الصيني الجديد.
الصين تضرب بهدوء: ماذا فعلت الصين من أجل فنزويلا؟
من دون ضجيج إعلامي أو استعراضات خطابية على طريقة بعض القادة الغربيين، شرعت الصين في تنفيذ سلسلة من الإجراءات العملية، انطلاقًا من إدراكها العميق بأن واشنطن جعلت من السيطرة على النفط الفنزويلي أداةً استراتيجية لكبح التمدد الصيني في أميركا الجنوبية، ومحاولة تعطيل مسار تحوّل النظام الدولي نحو التعددية القطبية.
لم تنظر بكين إلى ما تعرّضت له فنزويلا بوصفه أزمة محلية معزولة، بل باعتباره استهدافًا مباشرًا لمشروع عالمي أوسع، يمسّ مجموعة «بريكس» وفكرة العالم المتعدد الأقطاب. لذلك، جاء الردّ الصيني موجّهًا إلى نقاط الضعف البنيوية في المنظومة الأميركية ذاتها.
بعد ساعات قليلة من انتشار أنباء اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو، عُقد في بكين اجتماع طارئ للجنة الدائمة للمكتب السياسي للحزب الشيوعي، استمر ساعتين كاملتين. لم تصدر عنه بيانات ولا تهديدات، بل أُطلق ما يصفه الاستراتيجيون الصينيون بـ«الاستجابة الشاملة غير المتماثلة» — ردٌّ صامت، لكن فعّال، على عدوان يمسّ شركاء الصين في نصف الكرة الغربي.
تُعدّ فنزويلا حجر الزاوية في الحضور الصيني بأميركا اللاتينية، داخل ما تسميه واشنطن تقليديًا «فناءها الخلفي». ومن هنا بدأت المرحلة الأولى من الرد.
في صباح الرابع من كانون الثاني/يناير، أعلن بنك الشعب الصيني تعليق جميع التعاملات بالدولار الأميركي مع الشركات المرتبطة بقطاع الدفاع الأميركي. استيقظت شركات عملاقة مثل بوينغ ولوكهيد مارتن ورايثيون وجنرال دايناميكس على قرار مفاجئ بتجميد تعاملاتها مع الصين، من دون أي تمهيد أو إنذار.
بعد ساعات قليلة، أعلنت شركة الشبكة الكهربائية الحكومية الصينية مراجعة شاملة لعقودها مع مورّدي المعدات الكهربائية الأميركيين، في خطوة تعني عمليًا تسريع فكّ الارتباط مع التكنولوجيا الأميركية.
وفي فترة ما بعد الظهر، أعادت الشركة الوطنية الصينية للبترول رسم خريطة إمداداتها العالمية، عبر إلغاء عقود توريد نفط إلى المصافي الأميركية بقيمة عشرات المليارات سنويًا. النفط الذي كان يتجه إلى الساحل الشرقي للولايات المتحدة أُعيد توجيهه نحو دول في الجنوب العالمي، ما أدّى إلى قفزة حادة في أسعار النفط خلال جلسة تداول واحدة.
الرسالة كانت واضحة: الصين تمتلك القدرة على خنق الولايات المتحدة طاقيًا من دون إطلاق رصاصة واحدة.
ولم يتوقف الأمر عند الطاقة. فقد أعادت شركات الشحن الصينية الكبرى ترتيب مساراتها البحرية، متجنبة الموانئ الأميركية الأساسية. النتيجة كانت فقدان تلك الموانئ جزءًا كبيرًا من حركة الحاويات، ما أحدث اضطرابًا واسعًا في سلاسل الإمداد لشركات أميركية عملاقة تعتمد بشكل شبه كامل على الشحن الصيني.
اللافت في هذه الإجراءات لم يكن حجمها فقط، بل توقيتها المتزامن، الذي أحدث صدمة نظامية عطّلت قدرة واشنطن على الاستجابة السريعة.
وبينما كانت الولايات المتحدة تحاول استيعاب الضربة الأولى، انتقلت الصين إلى مرحلة تعبئة الجنوب العالمي. عُرضت حوافز تجارية فورية على عشرات الدول مقابل موقف سياسي واضح: عدم الاعتراف بأي سلطة فنزويلية تُفرض بدعم خارجي. وخلال أقل من يوم واحد، انضمت غالبية الدول المستهدفة إلى هذا التوجه، لتتجسد عمليًا ملامح عالم متعدد الأقطاب لا يقوم على الإكراه، بل على المصالح.
ثم جاءت الضربة المالية الأهم، مع توسيع نظام المدفوعات الصيني العابر للحدود ليكون بديلًا فعّالًا عن نظام «سويفت». خلال أيام قليلة، انخرطت عشرات الدول والبنوك في هذا النظام، ما سرّع عملية نزع الدولرة عن جزء أساسي من التمويل العالمي.
وعلى الجبهة التكنولوجية، فعّلت الصين ورقة المعادن النادرة، التي تُعدّ شريانًا حيويًا لصناعة التكنولوجيا المتقدمة. فرض قيود على تصدير هذه المواد كان كافيًا لإثارة قلق عميق لدى عمالقة التكنولوجيا الأميركيين، الذين باتت سلاسل إنتاجهم مهددة في حال استمرار القيود.
كل خطوة صينية كانت بمثابة ضربة مباشرة إلى قلب المنظومة الاقتصادية الأميركية، من دون ضجيج، ومن دون إعلان حرب.
ختاما وحين يُطرح السؤال: ماذا فعلت الصين من أجل فنزويلا؟، فإن الجواب لا يكمن في البيانات ولا في الخطب، بل في الوقائع التي فُرضت على الأرض. لقد أثبتت الصين أن القوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد بحاجة إلى استعراض عسكري، بل إلى فهم دقيق لمفاصل الاقتصاد والطاقة والمال والتكنولوجيا. وبهذا النهج الهادئ، لم تدافع بكين عن حليف فحسب، بل أعادت رسم ملامح الصراع العالمي، مؤكدة أن زمن الهيمنة الأحادية يقترب من نهايته، وأن عالمًا جديدًا يتشكّل بالفعل… بصمت.
