الكاتبة – كنانة عفاش
أذكر أول مرة وقع فيها بين يدي نص لإحدى حلقات «الفصول الأربعة»، قبل تصويره بأشهر. أذكر أن الحلقة كانت، على ما أظن، بعنوان «الحرملك». جلست أقرأ النص وتفاصيله الدقيقة، تلك التفاصيل الصغيرة التي كان يمكن تجاوز بعضها، لكنني خرجت من القراءة بسؤال واحد ظل عالقًا في ذهني: ماذا تريد هذه الحلقة أن تقول؟
لم يكن سؤالي بحثًا عن مقولة مباشرة أو فكرة تُقال بوضوح وفجاجة؛ فأنا أؤمن أن أجمل ما في الفن أحيانًا هو ما يختبئ بين السطور. لكنني كنت أبحث عن ذلك الخيط الداخلي الذي يجعلني أشعر أنني أمام عمل يريد أن يقول شيئًا يتجاوز الحكاية نفسها.
ومنذ ذلك الوقت، ظل لدي شعور بأنني ربما شاهدت في «الفصول الأربعة» شيئًا مختلفًا عما رآه معظم الناس.
أنا أحب المسلسل، وأفهم تمامًا لماذا يحبه الناس، وأعرف حجم الحميمية التي يمنحها لمشاهده. لكنني، في الوقت نفسه، لم أستطع أن أراه يومًا بالدرجة نفسها من العظمة التي يضعه فيها كثيرون.
وهنا ربما تكمن مشكلتي مع الطريقة التي نتعامل بها أحيانًا مع الأعمال التي أحببناها طويلًا.
إلى متى سنظل نمنح الأعمال الفنية صكوك العظمة لمجرد أنها لاقت رواجًا، أو لامست عاطفة جمعية، أو تحولت مع الزمن إلى جزء من ذاكرتنا المشتركة؟ ومتى يصبح من حقي، كمتلقٍ أو ناقد، أن أقول ببساطة: أحببت هذا العمل كحالة شعورية، لكنني لا أراه علامة فارقة في تاريخ الفن؟
أنا لا أطرح هذا السؤال رغبة في هدم ذاكرة أحد، ولا في مصادرة حق الناس في الحب والحنين. لكنني أعتقد أننا نحتاج أحيانًا إلى التحرر قليلًا من سطوة «إجماع الأغلبية»، وأن نسمح لأنفسنا بإعادة النظر في بعض الأعمال التي حوّلها الزمن والحنين إلى مسلمات يصعب الاقتراب منها.
وأضع «الفصول الأربعة» هنا في مقدمة الأعمال التي تستحق، في رأيي، هذه المسافة النقدية.
لا أقول إنه عمل سيئ، ولا أعتقد ذلك أصلًا. لكنني أعتقد أننا كثيرًا ما نخلط بين ما نحب، وما هو عظيم، وبين ما يمثل جزءًا من ذاكرتنا، وما يستحق فعلًا أن يوضع في الصف الأول من تاريخ الفن.
عندما أضع «الفصول الأربعة» تحت المجهر
حين أشاهد المسلسل اليوم بعيدًا عن تأثير الذاكرة والحنين، وأحاول أن أقرأه بعين نقدية أكثر برودة، أجد أنني أمام عمل يمتلك نقاط قوة واضحة، لكنه يعاني أيضًا من نقاط ضعف بنيوية تجعلني مترددًا في منحه تلك المكانة الاستثنائية التي يحتلها في الذاكرة الجماعية.
المكان الذي لم يتغير كثيرًا
أول ما يلفتني بصريًا هو اعتماد المسلسل الكبير على الفضاءات الداخلية الثابتة، خصوصًا صالون بيت الجد «كريم» وصالونات بناته.
أنا لا أرى في البساطة البصرية عيبًا بحد ذاتها، لكنني أشعر أحيانًا أن هذا الاستقرار المكاني جعل الصورة نفسها محدودة القدرة على المشاركة في صناعة الدراما، فتحولت الكاميرا في بعض الحلقات إلى أداة لتسجيل الحوار أكثر من كونها عنصرًا فاعلًا في بناء المعنى.
أشعر أحيانًا أنني أمام «مسرح مصوّر» أكثر من كوني أمام دراما تلفزيونية تستثمر إمكانات الصورة.
حين يتكلم الحوار بدلًا من الصورة
أجد أن المسلسل اعتمد بشكل كبير على الحوار اللفظي لشرح الأفكار والمشاعر والدوافع. وهذا، في رأيي، أحد مصادر قوته وأحد مصادر ضعفه في الوقت نفسه.
فالحوار هو الذي منح الشخصيات تلك الألفة التي أحببناها، لكنه في أحيان أخرى جعلني أشعر أن الشخصيات تخبرني بما تشعر به بدل أن تجعلني أراه.
وأنا أميل دائمًا إلى قاعدة «أرِني، لا تخبرني».
أحب أن أرى الشخصية وهي تتصرف، تصمت، تتردد، تناقض نفسها، وتكشف عن دواخلها دون أن تضطر إلى شرح كل شيء بالكلمات.
لهذا، ورغم أنني أستمتع بحوارات «الفصول الأربعة»، أشعر أحيانًا أن بعض حلقاته أقرب إلى جلسات نقاش عائلية طويلة منها إلى أحداث درامية تتطور بفعل الصراع والفعل والتغيير.
الشخصيات التي بقيت في أماكنها
من أكثر الأشياء التي تجعلني أتوقف نقديًا عند المسلسل أنني لا أشعر بأن شخصياته قطعت رحلة طويلة من التحول.
نجيب بقي إلى حد كبير المثقف النرجسي الشكّاء، ومالك البرجوازي الأناني المتوجس، وفاتن الأخت الغيورة السطحية.
أنا لا أنكر أن هذه الشخصيات محبوبة، بل ربما أحببتها أنا أيضًا، لكنني أعتقد أن هناك فارقًا بين الشخصية التي أحبها والشخصية الدرامية العظيمة.
الشخصية العظيمة، في رأيي، هي التي تفاجئني، وتتناقض مع نفسها، وتنمو، وتنكسِر، ثم تعيد اكتشاف ذاتها.
أما حين أعرف مسبقًا كيف ستتصرف الشخصية في معظم المواقف، فأنا أشعر أنني أمام نموذج اجتماعي محبوب أكثر مما أنا أمام شخصية درامية مركبة.
وأعتقد أن العمل قال معظم ما يريد قوله في حلقاته الأولى، ثم أمضى وقتًا طويلًا في إعادة تدوير التيمات نفسها، وإعادة شخصياته إلى المربعات النفسية والاجتماعية ذاتها.
مطبات لم أرها إلا عندما ابتعدت عن الحنين
ربما لم أنتبه، مثل كثيرين، إلى بعض المطبات الدرامية في المسلسل عندما شاهدته للمرة الأولى.
فالدفء الذي يصنعه العمل، والألفة التي تنشأ بيننا وبين شخصياته، يجعلاننا أكثر تسامحًا مع بنيته.
لكنني عندما أحاول أن أراه اليوم بعين أكثر نقدية، ألاحظ أن كثيرًا من الحلقات تبدأ بمشكلة صغيرة يجري تضخيمها دراميًا، ثم تنتهي بحوار طويل وتسوية أو مصالحة، من دون أن تترك الأزمة أثرًا حقيقيًا في الشخصيات.
ومع تكرار هذا النموذج، تصبح البنية متوقعة:
خلاف أو سوء تفاهم، ثم نقاش عائلي، ثم انكشاف للمشاعر، ثم عودة الجميع تقريبًا إلى أماكنهم السابقة.
ما كنت أراه دفئًا واستقرارًا وأمانًا، أستطيع اليوم أن أقرأه أحيانًا بوصفه غيابًا للتطور والصراع الحقيقي.
فالشخصيات نادرًا ما تدفع ثمنًا عميقًا لأخطائها، ونادرًا ما تغيرها أزماتها بشكل جذري.
وربما كان هذا تحديدًا جزءًا من سحر المسلسل، لكنه في الوقت نفسه أحد الأسباب التي تجعلني أرى أن سقفه الدرامي محدود.
عالم جميل.. لكنه ليس العالم كله
ما أحبه في «الفصول الأربعة» هو قدرته على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى مادة درامية.
أسرة تجتمع، أحاديث طويلة، خلاف حول طبق أرز، أو فقدان قطة، أو سوء تفاهم عائلي صغير.
هذه التفاصيل هي التي صنعت جزءًا كبيرًا من سحره.
لكنني أتساءل أحيانًا: هل كان هذا العالم يمثل المجتمع فعلًا، أم كان يمثل شريحة محددة منه؟
حين أضع المسلسل في سياقه الزمني، في نهاية التسعينيات وبداية الألفية، أشعر أنه يقدم عالمًا دمشقيًا شديد الخصوصية، عالمًا آمنًا ومريحًا نسبيًا، يبدو معزولًا عن كثير من الأسئلة الطبقية والمعيشية التي كانت تحيط بالمجتمع.
أنا لا أرى في ذلك خطأ فنيًا بالضرورة؛ فمن حق أي عمل أن يختار عالمه.
لكنني أتحفظ عندما يتحول هذا العالم المحدود، بفعل الشعبية والحنين، إلى صورة شبه نموذجية عن المجتمع بأكمله.
لذلك أعتقد أن «الفصول الأربعة» لم يكن مسلسلًا عن الأزمات الكبرى، بل عن الحياة حين تكون الأزمات صغيرة.
وربما كان هذا بالضبط سر محبته.
حاتم علي.. حين أقارن العمل بصاحبه
تزداد حيرتي عندما أقارن «الفصول الأربعة» بالمشروع الإخراجي العام للراحل حاتم علي.
فحين أشاهد «التغريبة الفلسطينية»، أو «ملوك الطوائف»، أو «صقر قريش»، أو «قلم حمرة»، أجد مخرجًا أكثر طموحًا بصريًا ودراميًا، يضع الكاميرا في خدمة قضايا كبرى، ويمنح شخصياته مساحة للتحول والانكسار.
في «الفصول الأربعة» أرى حاتم علي في منطقة مختلفة تمامًا؛ مخرجًا يتعامل مع حالة اجتماعية دافئة، داخل عالم محدود المكان والصراع، فرضته طبيعة النص نفسه.
وهذا لا ينتقص من التجربة، لكنه يجعلني أضعها في سياقها الصحيح.
أنا لا أرى «الفصول الأربعة» أكثر أعمال حاتم علي عظمة، ولا أراه أكثرها طموحًا، رغم أنني أرى أنه ربما كان أكثرها قدرة على الوصول إلى وجدان الجمهور.
وهنا تحديدًا تبدأ المفارقة.
لماذا أحببناه إلى هذا الحد؟
ربما أستطيع أن أفهم شعبية «الفصول الأربعة» أكثر إذا نظرت إليه من زاوية مختلفة: ليس بوصفه عملًا فنيًا فقط، بل بوصفه وظيفة نفسية.
نحن، كمتلقين عرب، نعيش منذ عقود وسط الخسارات والحروب والقلق وانكسار الأوطان.
ولذلك ربما لا نبحث دائمًا عن عمل يواجهنا بحقيقتنا.
أحيانًا نريد فقط مكانًا نذهب إليه.
بيتًا نعود إليه.
عالمًا نشعر فيه أن الأشياء، مهما اختلفت، ستعود في النهاية إلى مكانها.
وأعتقد أن «الفصول الأربعة» نجح في منحنا هذا الشعور.
لقد تحول، في مخيلة كثيرين، إلى «بيت بديل» ووطن مستقر.
ولهذا ربما كانت شعبيته مكافأة على الأمان النفسي الذي يمنحه أكثر مما كانت مكافأة على جودة البناء الدرامي أو عمق الصراع.
الحميمية ليست بالضرورة عمقًا.
والحنين ليس معيارًا للجودة.
لكننا أحيانًا نخلط بين الاثنين.
وربما لهذا السبب تحديدًا أصبحت مساءلة المسلسل نقديًا حساسة؛ لأنني حين أنتقده، قد يبدو الأمر وكأنني أنتقد ذاكرة شخصية، لا عملًا فنيًا.
أنا أحب «الفصول الأربعة».. لكنني لا أقدسه
في النهاية، لا أعتقد أن علينا أن نختار بين الحب والنقد.
أنا أستطيع أن أحب «الفصول الأربعة»، وأن أشعر بالدفء حين أشاهده، وأن أشتاق إلى عالمه، وأن أعتبره جزءًا من ذاكرتي، وفي الوقت نفسه أقول إن بناءه الدرامي محدود، وإن لغته البصرية متواضعة، وإن شخصياته لا تمتلك دائمًا العمق النفسي الذي أبحث عنه في الأعمال الكبرى.
لا أرى في ذلك تناقضًا.
بل أرى أن هذا هو جوهر علاقتنا الناضجة بالفن.
أنا لا أريد أن أهدم «الفصول الأربعة»، ولا أريد أن أسلب أحدًا حقه في حبه.
كل ما أريده هو أن أستعيد حقي في رؤيته كما أراه أنا.
أن أقول إنني لم أجد فيه كل تلك العظمة البنائية والعمق الفلسفي الذي يراه كثيرون.
وأن أترك في الوقت نفسه لمن يحبونه حقهم الكامل في اعتباره تحفة لا تُمس.
فربما تكون قيمة «الفصول الأربعة» الحقيقية، في النهاية، ليست في كونه أعظم عمل درامي عربي، ولا في كونه تحفة فنية تتفوق على كل ما عداها.
ربما تكمن عظمته الحقيقية في شيء آخر تمامًا:
أنه نجح في أن يمنح أجيالًا كاملة شعورًا بالبيت.
وهذا، في حد ذاته، إنجاز ثقافي وعاطفي كبير.
لكنه ليس بالضرورة إنجازًا فنيًا يضعه فوق كل مقارنة.
وفي المسافة بين ما أحب وما أراه عظيمًا، تبدأ علاقتي الحقيقية بالنقد.
هناك، بعيدًا عن التقديس والحنين وإجماع الأغلبية، أستطيع أن أتنفس أنا، وأن يتنفس الفن أيضًا.
وربما نستطيع، عندما نمتلك الشجاعة الكافية لأن نرى أعمالنا القديمة كما هي، أن نحبها أكثر…
