ستوكهولم – محمد رائد كعكة
في خطوة مفاجئة وصادمة، أعلنت مصلحة الهجرة السويدية عمليًا كبح وتسريع إجراءات منح الجنسية للسوريين، منهيةً مرحلة طويلة من المعالجة السلسة التي ميّزت السنوات الماضية. القرار، الذي طُبّق دون تمهيد واسع، وضع عشرات آلاف العائلات السورية أمام واقع قانوني جديد، حوّل حلم الاستقرار النهائي إلى مسار معقّد وغير مضمون.
تحوّل مفاجئ في السياسات
لسنوات، كان السوريون يشكّلون الفئة الأكبر بين المتقدمين للجنسية في السويد، مستفيدين من معايير واضحة نسبيًا تعتمد على مدة الإقامة، السجل الجنائي، والاندماج الأساسي. إلا أن هذا المسار تغيّر فجأة، مع إدخال إجراءات جديدة وقيود غير مسبوقة، أدت إلى تجميد أكثر من 87 ألف طلب دفعة واحدة، دون تحديد سقف زمني واضح للبت فيها.
ماذا تغيّر فعليًا؟
المفاجأة لم تكن في التأخير وحده، بل في تبدّل جذري لقواعد اللعبة. فقد بدأت السلطات بتطبيق بروتوكولات أمنية موسّعة، تتجاوز التدقيق التقليدي، وتشمل:
تشديد متطلبات الهوية: إلزام المتقدمين بالحضور الشخصي، وتقديم وثائق أصلية إضافية لم تكن مطلوبة سابقًا، مع فحص دقيق للبيانات البيومترية.
نبش شامل للماضي: إعادة تدقيق الخلفيات المهنية والعسكرية داخل سوريا، قبل عام 2011 وبعده، بما في ذلك فترات الخدمة الإلزامية أو العمل في مؤسسات رسمية.
رقابة أمنية مباشرة: تحويل آلاف الملفات إلى جهاز الأمن السويدي (SÄPO)، ما يعني تعليق الطلبات إلى حين انتهاء المراجعات الأمنية المعمّقة.
الأرقام تكشف حجم التراجع
تشير المعطيات الأخيرة إلى انهيار واضح في وتيرة منح الجنسية. فبعد أن كانت القرارات تُصدر بالآلاف شهريًا، تراجعت الأرقام بشكل حاد، لتقتصر الموافقات على حالات محدودة جدًا، استوفت شروطًا وُصفت من قبل مختصين بأنها «تعجيزية»، أبرزها إثبات الهوية الكاملة والبراءة الأمنية المطلقة دون أي هامش للشك.
قراءة سياسية للقرار
خبراء قانونيون وسياسيون يرون أن ما يجري ليس إجراءً إداريًا عابرًا، بل رسالة سياسية مباشرة من الحكومة اليمينية الحالية. فالتوجه الجديد يسعى إلى إعادة تعريف مفهوم الجنسية، لتحويلها من حق يُكتسب بمرور الزمن والالتزام بالقانون، إلى امتياز مشروط بإثبات اندماج عميق وولاء أمني كامل، في إطار سياسة هجرة أكثر تشددًا.
مصير آلاف العالقين
النتيجة المباشرة لهذا التحول هي دخول آلاف السوريين في حالة «الانتظار المفتوح»: لا رفض رسمي يتيح الطعن أو الاستئناف، ولا قبول يمنحهم الاستقرار. هذا التعليق الطويل يحرمهم من حقوق أساسية مرتبطة بالجنسية، مثل حرية التنقل الموسّعة والمشاركة السياسية الكاملة، ويجعل مستقبلهم القانوني معلقًا لسنوات إضافية، وسط قلق نفسي واجتماعي متزايد داخل الجالية السورية في السويد وأوروبا عمومًا.
في المحصلة، يبدو أن ملف تجنيس السوريين دخل مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا، عنوانها الأبرز: تشديد أمني، انتظار طويل، ومستقبل غير محسوم.
