Site icon NL NEWS Agency

شباب هولندا بين أزمة السكن وغلاء المعيشة.. لماذا يغضبون بصمت بدلاً من النزول إلى الشوارع؟

أمستردام – محمد رائد كعكة

يعملون ويدرسون ويدفعون الضرائب، لكن امتلاك منزل أو حتى استئجار شقة صغيرة أصبح حلماً بعيد المنال بالنسبة لكثير من الشباب في هولندا.

ومع الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة والإيجارات وأسعار العقارات، يتزايد الشعور بالقلق تجاه المستقبل، وسط تساؤل يفرض نفسه: لماذا لا يتحول هذا الاستياء إلى موجة احتجاجات شبابية واسعة تجتاح الشوارع الهولندية؟

ففي الوقت الذي تشهد فيه دول أوروبية، مثل فرنسا وإسبانيا، تحركات شعبية حاشدة احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، يبدو المشهد الهولندي أكثر هدوءاً نسبياً، رغم أن الأزمات التي يواجهها الجيل الشاب لا تقل أهمية.

لكن هل يعكس هذا الهدوء رضا الشباب عن واقعهم، أم أن الغضب الهولندي يتخذ أشكالاً مختلفة؟

وظائف متاحة.. ومستقبل سكني غامض

تتمتع هولندا بسوق عمل يوفر فرصاً للشباب، وإن كانت بعض هذه الفرص مرتبطة بعقود مؤقتة أو دخول لا تتناسب مع الارتفاع الكبير في تكاليف الحياة.

والمفارقة أن الحصول على وظيفة لم يعد يعني بالضرورة القدرة على الاستقلال المادي والسكني.

فالكثير من الشباب يعملون بدوام كامل، ومع ذلك يجدون أنفسهم عاجزين عن استئجار منزل مناسب، ناهيك عن شراء عقار.

وأمام هذه المعادلة، يضطر بعضهم إلى البقاء في منازل عائلاتهم لسنوات إضافية، بينما يتجه آخرون إلى السكن المشترك أو الانتقال إلى مدن أبعد بحثاً عن إيجارات أقل.

وهكذا، بات الاستقلال الذي كان يُعد خطوة طبيعية بعد الدراسة والعمل تحدياً قد يستغرق تحقيقه سنوات طويلة.

ثقافة التفاوض بدلاً من التصعيد

يتميز المجتمع الهولندي بتقاليد سياسية واجتماعية تقوم على الحوار والبحث عن حلول توافقية، فيما يُعرف بـ«نموذج البولدر» (Poldermodel).

وتقوم هذه الثقافة على التفاوض بين الحكومة وأصحاب العمل والنقابات ومختلف الأطراف الاجتماعية، بدلاً من اللجوء المباشر إلى المواجهة.

وقد يفسر هذا التوجه ميل بعض الشباب إلى التعبير عن مطالبهم عبر الأحزاب السياسية والمنظمات الطلابية والجمعيات المدنية، أو من خلال المشاركة في الانتخابات والحملات المجتمعية.

لكن ثقافة التوافق لا تعني بالضرورة غياب الاحتجاج، كما أنها لا تضمن دائماً الوصول إلى حلول سريعة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأزمة معقدة مثل نقص المساكن.

من الشوارع إلى الشاشات.. غضب رقمي بلا ضجيج

لم يعد التعبير عن الغضب مرتبطاً حصرياً باللافتات والهتافات والتجمعات الجماهيرية.

فقد أصبحت منصات التواصل الاجتماعي، وخاصة تيك توك وإنستغرام، مساحة واسعة يتبادل فيها الشباب تجاربهم مع أزمة السكن وغلاء الأسعار، وينتقدون من خلالها السياسات الحكومية ومستقبل الفرص الاقتصادية.

وتنتشر على هذه المنصات مقاطع لشباب يتحدثون عن عجزهم عن مغادرة منازل آبائهم، أو عن اضطرارهم إلى تخصيص جزء كبير من رواتبهم للإيجار والفواتير.

غير أن انتشار الغضب رقمياً لا يعني بالضرورة تحوله إلى حركة احتجاجية منظمة، إذ تبقى المسافة كبيرة بين كتابة تعليق غاضب والمشاركة في مظاهرة قادرة على التأثير في القرار السياسي.

هل فقد الشباب الثقة بجدوى الاحتجاج؟

قد يرتبط تردد بعض الشباب في النزول إلى الشوارع باعتقادهم أن المظاهرات لن تحقق تغييراً ملموساً في وقت قصير.

فأزمة السكن الهولندية ليست نتيجة قرار حكومي واحد يمكن التراجع عنه، بل ترتبط بعوامل متشابكة تشمل نقص المعروض السكني وارتفاع تكاليف البناء وأسعار الأراضي والقيود التنظيمية.

كما أن ضغوط الدراسة والعمل والالتزامات المالية قد تجعل المشاركة المستمرة في الحركات الاحتجاجية أمراً صعباً بالنسبة لبعض الشباب.

ومع ذلك، فإن تصوير الشباب الهولندي على أنهم غير مهتمين بالاحتجاج سيكون استنتاجاً غير دقيق، فقد شهدت البلاد بالفعل مظاهرات وتحركات طلابية وشبابية للمطالبة بسكن ميسور التكلفة، فضلاً عن الاحتجاجات المتعلقة بالمناخ والتعليم وقضايا السياسة الدولية.

الهدوء لا يعني الرضا

ربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس لماذا لا يتظاهر الشباب الهولندي، بل إلى متى تستطيع المؤسسات السياسية والاجتماعية احتواء شعور جيل كامل بأن العمل والاجتهاد لم يعودا كافيين لبناء مستقبل مستقر؟

فحين يصبح الحصول على مسكن مناسب أمراً بعيد المنال، ويتحول الاستقلال المادي إلى امتياز يصعب تحقيقه، فإن المشكلة تتجاوز حدود الاقتصاد لتلامس الثقة بالعقد الاجتماعي نفسه.

وقد لا يكون غياب المظاهرات الحاشدة دليلاً على غياب الغضب، بل ربما يعكس غضباً يتراكم بصمت، بانتظار من يستمع إليه أو يمنحه سبباً كافياً للخروج إلى الشارع.

كاتب

Exit mobile version