Site icon NL NEWS Agency

سورية ليست مختبراً للسلفية…

من أعطى «حملة الذهبي» حق إعادة تشكيل هوية السوريين؟

الصحفي محمد رائد كعكة

ليست القضية جلباباً ولا نقاباً، وليست معركة بين متدين وغير متدين، ولا بين محجبة وغير محجبة. القضية أبعد من قطعة قماش بكثير: من يملك الحق في تعريف هوية المجتمع السوري، ومن يملك سلطة فرض تصور ديني بعينه على السوريين؟

من هنا تحديداً يجب النظر إلى ما عُرف بـ«حملة الذهبي». فحين يأتي داعية سلفي مصري ليطلق حملة في دمشق تدعو النساء السوريات إلى نمط محدد من اللباس، ثم يُقدَّم هذا النمط باعتباره «لباس نساء الشام منذ فجر الإسلام»، فإننا لم نعد أمام موعظة دينية عابرة، بل أمام محاولة لإلباس مجتمع كامل هوية أيديولوجية ليست هويته.

وهنا ينبغي قول العبارة التي يحاول البعض الهروب منها بوضوح:

سورية ليست بلداً سلفياً.

ولن تصبح كذلك لأن داعية رفع صوته، أو لأن مجموعة من أنصاره قررت أن تعريفها الخاص للتدين هو التعريف الوحيد المقبول للإسلام وللمجتمع السوري.

دمشق وحلب وحمص أقدم من «الوصفة السلفية»

من أغرب ما في خطاب حملة الذهبي محاولة إضفاء شرعية تاريخية على النقاب والجلباب بصورتهما المعاصرة، عبر الزعم بأن هذا هو لباس المرأة الشامية منذ الفتح الإسلامي.

لكن تاريخ بلاد الشام الاجتماعي لا يُكتب بالشعارات.

المدن السورية  مدن ضاربة جذورها في التاريخ، تعاقبت عليها حضارات ودول وثقافات، وتغيرت أزياؤها وعاداتها وأنماط حياتها مرات لا تحصى. وحتى المجتمعات الإسلامية نفسها لم تعرف عبر أربعة عشر قرناً زياً نسائياً واحداً ثابتاً يمتد من الأندلس إلى دمشق وبغداد والقاهرة والحجاز.

عرف التراث الإسلامي الخمار والملحفة والإزار والجلباب وغيرها من المصطلحات، لكن تحويل أحد الأشكال المعاصرة للباس إلى «زي تاريخي موحد» للمرأة الدمشقية منذ القرن الأول الهجري يحتاج إلى أدلة تاريخية، لا إلى حماسة خطابية.

ثم إن المجتمع الذي دخل إليه المسلمون في بلاد الشام كان مجتمعاً قائماً بثقافته وأزيائه وحضارته، وتأثر القادمون إليه بدورهم ببيئته وأقمشته وعاداته. وهذه طبيعة المجتمعات والحضارات: تؤثر وتتأثر.

التاريخ أكثر تعقيداً بكثير من أن نختصره بصورة امرأة ترتدي النقاب ثم نكتب تحتها: «هكذا كانت نساء دمشق منذ الفتح».

المشكلة ليست في النقاب… بل في كلمة «يجب»

من حق أي امرأة سورية أن ترتدي النقاب إذا كان ذلك خيارها الشخصي. ومن حقها أن ترتدي الحجاب، ومن حقها أن تختار لباسها وفق معتقدها وقناعتها ضمن القانون.

هذه هي الحرية الدينية التي ينبغي الدفاع عنها.

لكن الحرية التي تسمح لامرأة بارتداء النقاب هي الحرية نفسها التي تمنع الآخرين من إجبار امرأة أخرى عليه.

وهنا تكمن المشكلة الأساسية في الخطاب الذي تمثله حملة الذهبي: الانتقال من «أنا أعتقد أن هذا هو اللباس الشرعي» إلى «على نساء دمشق أن يرتدين هذا اللباس».

الأولى قناعة دينية شخصية.

أما الثانية فهي مشروع لفرض القناعة على المجتمع.

وسورية التي نريدها لا ينبغي أن تصادر إيمان السلفي، ولا عقيدة الصوفي، ولا تدين المسلم التقليدي، ولا إيمان المسيحي أو الدرزي أو الإسماعيلي أو غيرهم، ولا حق غير المتدين في أن يعيش مواطناً كامل الحقوق.

الدولة ليست شيخاً، والمواطنة ليست اختباراً في الالتزام بمذهب ديني بعينه.

ومن فوّض الشيخ الذهبي أصلاً بإعادة تعريف المرأة السورية؟

هناك سؤال بديهي يصعب تجاهله: ما الذي يجعل داعية أجنبياً يرى نفسه معنياً بتحديد الشكل الذي ينبغي أن تظهر به نساء دمشق؟

يمكن لأي عالم أو داعية أن يشرح مذهبه وأفكاره لمن يريد الاستماع إليه. هذه حرية رأي واعتقاد، وينبغي ألا نخاف منها.

لكن هناك فارقاً هائلاً بين الدعوة إلى فكرة وبين محاولة تحويل الفكرة إلى ضغط اجتماعي منظم على الناس.

والأكثر إثارة للاستغراب أن المرأة، كالعادة في خطاب التشدد، تتحول إلى الميدان المفضل لإثبات «إسلامية» المجتمع.

فأين حملة «اللباس الشرعي للرجل» بالحماسة نفسها؟

لماذا يصبح جسد المرأة وشعرها ووجهها المشروع الأكثر إلحاحاً، بينما تختفي عشرات القضايا الأخلاقية والاجتماعية والوطنية خلف ستار النقاب؟

وكأن صلاح المجتمع كله يبدأ من خزانة ملابس المرأة وينتهي عندها.

سورية ليست غنيمة أيديولوجية

المشكلة الأكبر ليست الشيخ الذهبي كشخص. الأشخاص يأتون ويذهبون.

المشكلة هي العقلية التي تتعامل مع سورية وكأنها مساحة فارغة يمكن ملؤها بأي مشروع أيديولوجي عابر للحدود.

السلفية تيار ديني وفكري له أتباعه، ومن حق أتباعه ممارسة معتقداتهم وحياتهم الدينية ضمن القانون. لكن وجود السلفيين في سورية لا يجعل سورية «سلفية»، تماماً كما أن وجود أي جماعة دينية أو مذهبية أو فكرية لا يمنحها ملكية هوية البلاد.

سورية أكبر من أي تيار.

وهوية السوريين لم تبدأ مع شيخ ظهر على منصة، ولن يعاد تشكيلها بحملة دعوية مهما علا صوت أصحابها.

لقد تشكل المجتمع السوري عبر قرون طويلة من التعدد الديني والمذهبي والثقافي والاجتماعي. وفي المدينة السورية الواحدة تستطيع أن تجد أنماطاً مختلفة من التدين والحياة، بل قد تجدها داخل العائلة الواحدة.

هذه ليست مشكلة تحتاج إلى «تصحيح».

هذه هي سورية.

أخطر ما يمكن فعله هو تحويل الدين إلى سلطة اجتماعية موازية

الدولة التي تحترم الحريات لا تمنع السلفي من أن يكون سلفياً، لكنها في الوقت ذاته لا تسمح للسلفي بأن يحول مذهبه إلى قانون غير مكتوب يُفرض على جيرانه.

وهذا المبدأ ينبغي أن يسري على الجميع بلا استثناء.

إذا سمحت الدولة لجماعة ما بأن تقول للمرأة كيف يجب أن تلبس اليوم، فماذا سيكون موضوع الحملة التالية؟

عمل المرأة؟

الفنون؟

الموسيقى؟

المقاهي؟

الجامعات؟

طريقة لباس الرجال؟

اختلاط الناس في الأماكن العامة؟

المسألة لذلك ليست «نقاباً فقط». إنها تتعلق بالحد الفاصل بين حق الإنسان في ممارسة الدين وبين ادعاء امتلاك سلطة دينية على حياة الآخرين.

الأول يجب حمايته.

والثاني يجب أن يتوقف عند حدود حرية المواطن والقانون.

لا تجعلوا سورية ساحة لصراعات أيديولوجية عابرة للحدود

سورية الخارجة من سنوات كارثية ليست بحاجة إلى استيراد معارك الهوية التي مزقت مجتمعات أخرى.

وهي بالتأكيد ليست مختبراً مفتوحاً لكل تيار ديني عابر للحدود يريد اختبار نظرياته الاجتماعية على السوريين.

من أراد أن يكون سلفياً فليكن.

ومن أرادت ارتداء النقاب فلترتده.

ومن أرادت الحجاب فلترتده.

لكن لا أحد يملك الحق في الوقوف فوق رأس المرأة السورية ليخبرها أن شكل تدينها ناقص لأنها لا تشبه الصورة الموجودة في ذهنه عن «المرأة المسلمة».

ولا أحد يملك حق اختزال الإسلام، بكل تاريخه ومدارسه وفقهه وتنوع مجتمعاته، في تفسير واحد ثم مطالبة الدولة والمجتمع بالانصياع له.

الدولة مطالبة بحماية الحرية… لا اختيار المذهب

مواجهة هذه الظاهرة لا ينبغي أن تتحول بدورها إلى حرب على المتدينين أو السلفيين كأفراد، لأن ذلك سيكون الوجه الآخر للمشكلة نفسها.

المطلوب أبسط وأصعب في الوقت ذاته: دولة قانون تقف على المسافة نفسها من الجميع.

تحمي حق الداعية في التعبير السلمي عن رأيه وفق القانون، وتحمي في اللحظة ذاتها المرأة التي ترفض رأيه.

تحمي المسجد، وتحمي الكنيسة، وتحمي المواطن الذي لا يريد من أحد التدخل في معتقده.

وتمنع أي جماعة، مهما كان اسمها أو مرجعيتها، من التحول إلى سلطة موازية تحدد للناس المسموح والممنوع خارج مؤسسات الدولة والقانون.

وإذا كانت هناك قرارات رسمية تنظم الحملات الدعوية أو استخدام الأماكن العامة أو التظاهر، فإن تطبيقها يجب أن يكون على الجميع بالتساوي، لا انتقائياً وفق هوية المخالف.

فهيبة الدولة لا تُبنى بمنع الأفكار، وإنما بمنع أي جماعة من الاعتقاد أنها فوق القانون.

لسنا بحاجة إلى وصي على إيمان السوريين

من أكثر الشعارات دلالة في هذه الحملة الصراخ بأن «الروح فداء للحجاب».

لكن أغلب نساء دمشق المسلمات المحجبات لم يكنّ ينتظرن داعية قادماً من خارج المجتمع ليشرح لهن معنى الحجاب.

والسؤال الأهم: لماذا ينبغي أصلاً أن تتحول علاقة المرأة بربها إلى قضية جماهيرية يقررها الرجال في الشوارع؟

الإيمان الذي يحتاج إلى الإكراه الاجتماعي حتى يستمر ليس إيماناً قوياً، والدين الذي نحترمه لا يحتاج إلى شرطة ملابس غير رسمية.

دعوا المرأة السورية وشأنها.

من أرادت النقاب، فحقها مصان.

ومن اختارت الحجاب، فحقها مصان.

ومن اختلف اجتهادها أو معتقدها، فكرامتها وحقوقها مصانة أيضاً.

فهذه ليست منّة يمنحها شيخ أو يسحبها آخر، وإنما جوهر فكرة المواطنة.

سورية للسوريين… بكل اختلافاتهم

المعركة الحقيقية ليست بين النقاب والسفور، ولا بين السلفيين وخصومهم.

المعركة هي بين تصورين لسورية:

تصور يريدها وطناً يتسع لمواطنيه واختلافاتهم، وتصور يريد اختزالها في قالب ديني وفكري واحد ثم مطالبة الجميع بالدخول إليه.

ونحن لا نحتاج بعد كل ما مر بنا إلى استبدال وصاية بوصاية، ولا إلى إسقاط سلطة على حياة السوريين لكي تظهر مكانها سلطة اجتماعية جديدة تقول للناس كيف يلبسون وكيف يفكرون وكيف يؤمنون.

سورية ليست بلداً سلفياً، وليست بلداً معادياً للسلفيين.

وهذا الفارق هو جوهر المسألة كلها.

إنها بلد يجب أن يكون فيه السلفي آمناً على معتقده، والصوفي آمناً على طريقته، والمسيحي آمناً على كنيسته، وكل مواطن آمناً على ضميره وحياته الخاصة.

أما تحويل دمشق إلى منصة لتطبيق نظريات دينية عابرة للحدود، وإعادة كتابة تاريخها لتبريرها، ثم الضغط على نسائها باسمها، فليس دفاعاً عن هوية سورية.

بل هو محاولة لاستبدال هويتها المتنوعة بهوية مصطنعة.

وإذا كانت هناك سورية تستحق أن تُبنى، فهي سورية لا تسأل المرأة عن شكل غطاء رأسها قبل أن تعترف بها مواطنة، ولا تسأل الرجل عن مذهبه قبل أن تعترف بحقوقه، ولا تسمح لأي شيخ، مهما علا صوته، أن ينصّب نفسه وصياً على ضمائر السوريين.

كاتب

Exit mobile version