Site icon NL NEWS Agency

زلزال انتخابي يضرب ترامب ونتنياهو.. هل تعيد صناديق الاقتراع رسم بوصلة السياسة العالمية؟

تقرير : محمد رائد كعكة

شهدت الولايات المتحدة تحولا سياسيا كبيرا في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، التي جرت الثلاثاء 3 نوفمبر 2026، بعدما خسر الحزب الجمهوري سيطرته على مجلسي الشيوخ والنواب لصالح الديمقراطيين، في نتائج شكلت ضربة سياسية للرئيس دونالد ترامب، وأعادت رسم موازين القوى داخل واشنطن خلال النصف الثاني من ولايته الرئاسية.

ولم تقتصر الخسائر الجمهورية على الدوائر المتأرجحة، بل امتدت إلى ولايات كانت تعد معاقل تقليدية للحزب، وسط تزايد الاستياء الشعبي من ارتفاع تكاليف المعيشة وتداعيات الحرب مع إيران والسياسات الاقتصادية والخارجية للإدارة الأمريكية.

وتأتي هذه النتائج بعد أسبوع واحد من الانتخابات الإسرائيلية التي فقد فيها تحالف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أغلبيته البرلمانية، مما يطرح تساؤلات حول مستقبل التحالفات السياسية واتجاه السياسات الدولية في المرحلة المقبلة.

الجمهوريون يخسرون الكونغرس.. وترامب أمام معارضة أقوى

أظهرت النتائج الأولية فوز الديمقراطيين بالسيطرة على مجلس الشيوخ، بعدما انتزعوا سبعة مقاعد على الأقل من الجمهوريين، شملت ولايات تكساس وكانساس وأيوا وأوهايو وماين وكارولاينا الشمالية وكارولاينا الجنوبية.

وفي مجلس النواب، حقق الديمقراطيون مكاسب تجاوزت 24 مقعدا، مكنتهم من استعادة الأغلبية، مع استمرار فرز الأصوات في عدد من الدوائر.

وبهذه النتائج، يفقد ترامب الغطاء البرلماني الذي ساعده على تمرير سياساته، ليجد نفسه أمام كونغرس يستطيع تعطيل بعض مشروعاته التشريعية، وفتح تحقيقات بشأن قرارات إدارته، وممارسة رقابة أكثر تشددا على الإنفاق والسياسة الخارجية.

ويرى مراقبون أن ارتفاع الأسعار، والقلق الاقتصادي، والتكاليف المترتبة على الحرب مع إيران، كانت من أبرز العوامل التي أثرت في توجهات الناخبين، وحولت الانتخابات إلى اختبار شعبي لأداء الإدارة الجمهورية.

عبدول السيد ورشيدة طليب.. انتصار رغم حملات ترامب

ومن أبرز النتائج التي استقطبت اهتماما واسعا، فوز المرشح الديمقراطي من أصول مصرية عبدول السيد (Abdul El-Sayed) بمقعد ولاية ميشيغان في مجلس الشيوخ، ليصبح أول مسلم ينتخب لعضوية المجلس في تاريخ الولايات المتحدة.

وجاء فوزه على الجمهوري مايك روجرز، المدعوم من ترامب، بعد حملة انتخابية اتسمت بهجمات شخصية ودينية شديدة، شن الرئيس الأمريكي بعضها بنفسه، وبلغت حد وصف السيد بأنه «جهادي» والتشكيك في ولائه للولايات المتحدة.

ورغم تلك الهجمات، تمكن السيد من الاحتفاظ بالمقعد لصالح الديمقراطيين، في نتيجة أثارت اهتماما خاصا داخل الأوساط العربية والإسلامية الأمريكية، خصوصا أنه من الشخصيات المنتقدة للحرب في غزة والمعارضة للمساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل.

وفي ميشيغان أيضا، احتفظت النائبة الديمقراطية من أصول فلسطينية رشيدة طليب (Rashida Tlaib) بمقعدها في مجلس النواب، رغم الجدل السياسي المتواصل حول مواقفها الداعمة للحقوق الفلسطينية وانتقاداتها الحادة للسياسات الإسرائيلية.

ويمنح فوز الشخصيتين حضورا إضافيا للأصوات العربية والمسلمة داخل الكونغرس، ويؤكد أن المواقف المنتقدة لسياسات البيت الأبيض وإسرائيل لم تمنع أصحابها من تحقيق نتائج انتخابية.

من واشنطن إلى تل أبيب.. نتنياهو يفقد أغلبيته أيضاً

يتزامن التراجع الجمهوري في الولايات المتحدة مع نتائج الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في 27 أكتوبر 2026، وأسفرت عن فقدان التحالف المؤيد لبنيامين نتنياهو أغلبيته البرلمانية.

فقد حصل معسكر نتنياهو على 53 مقعدا من أصل 120 في الكنيست، مقابل 48 مقعدا لمعسكر المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت، فيما حققت القوائم العربية تقدما لافتا بحصولها على 19 مقعدا.

وبذلك، لم يتمكن أي من المعسكرين الرئيسيين من بلوغ الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة، والبالغة 61 مقعدا، مما يفتح الباب أمام مفاوضات سياسية معقدة.

ورغم اختلاف الظروف الانتخابية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، فإن النتائج تكشف عن تراجع النفوذ البرلماني لتحالفين ارتبطا بعلاقة سياسية وثيقة بين ترامب ونتنياهو.

لكن هذا التراجع لا يعني بالضرورة انتهاء التنسيق بينهما أو حدوث تحول فوري في السياسات الأمريكية والإسرائيلية تجاه الشرق الأوسط.

ماذا يهمنا كعرب أو كأوروبيين من نتائج هذه الانتخابات؟

بالنسبة إلى العالم العربي، قد تفتح السيطرة الديمقراطية على الكونغرس المجال أمام رقابة أشد على السياسات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، ومناقشات أوسع حول الحرب مع إيران والمساعدات العسكرية لإسرائيل ومستقبل القضية الفلسطينية.

كما أن فوز عبدول السيد ورشيدة طليب، بالتزامن مع ارتفاع تمثيل الأحزاب العربية في الكنيست الإسرائيلي، يمنح الأصوات العربية حضورا برلمانيا لافتا على جانبي المشهد السياسي، وإن كانت قدرتها على التأثير الفعلي مرتبطة بالتحالفات والتوازنات داخل المؤسسات التشريعية.

ومع ذلك، لا ينبغي اعتبار فوز الديمقراطيين ضمانة لتغيير جذري في الموقف الأمريكي من إسرائيل، فالدعم السياسي والعسكري لها يمتد داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي، رغم الخلافات المتزايدة حول بعض سياسات حكوماتها.

أما بالنسبة إلى الأوروبيين، فإن نتائج الانتخابات الأمريكية قد تنعكس على مستقبل العلاقات التجارية والأمنية مع واشنطن، خصوصا في ملفات الرسوم الجمركية، ودعم أوكرانيا، وحلف شمال الأطلسي، وأسعار الطاقة.

وقد يمنح الكونغرس الجديد زخما أكبر للأصوات الداعية إلى تعزيز التعاون مع الاتحاد الأوروبي، في وقت تسعى فيه الدول الأوروبية إلى حماية اقتصاداتها وتقليل اعتمادها على القرارات الأمريكية في الملفات الاستراتيجية.

وبالنسبة إلى المواطن في هولندا وبقية الدول الأوروبية، فإن أي تغيير في السياسات التجارية أو مسار الحروب الدولية قد ينعكس على أسعار الطاقة والسلع وتكاليف المعيشة.

أين تتجه بوصلة السياسات العالمية؟

تثير نتائج الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية تساؤلا مهما: هل بدأ العالم يتجه نحو تقليص نفوذ التيارات السياسية التي اعتمدت على الخطاب القومي والتشدد الأمني، أم أننا أمام موجة احتجاج انتخابية فرضتها الأزمات الاقتصادية والحروب؟

من المبكر اعتبار ما حدث تحولا عالميا شاملا، لكن النتائج تشير إلى أن القضايا المعيشية وتكاليف الصراعات العسكرية أصبحت عوامل مؤثرة في توجهات الناخبين، إلى جانب الاعتبارات التقليدية المتعلقة بالأمن والهوية والانتماء الحزبي.

وفي واشنطن، سيواجه ترامب معارضة برلمانية قادرة على تقييد بعض قراراته، بينما سيضطر نتنياهو إلى البحث عن تحالفات جديدة لضمان استمرار نفوذه السياسي.أما مستقبل السياسة الدولية، فسيظل مرتبطا بكيفية تعامل القوى الكبرى مع الحروب والأزمات الاقتصادية والعلاقات بين الحلفاء، وليس فقط بتغير الأغلبية داخل البرلمانات.

وبين خسارة الجمهوريين في واشنطن وتراجع معسكر نتنياهو في إسرائيل، تبدو موازين القوى السياسية أمام مرحلة جديدة من إعادة التشكيل.

لكن السؤال الذي سيحدد اتجاه البوصلة العالمية هو ما إذا كانت هذه التحولات ستنعكس على سياسات الحروب والتحالفات والاقتصاد، أم أنها ستبقى تغييرا في المقاعد دون تغيير جوهري في القرارات.

كاتب

Exit mobile version