في حوار خاص أجراه الصحفي خالد بكداش، رئيس تحرير وكالة أنباء هولندا، أكد رئيس وكالة الاتحاد الأوروبي للتعاون في مجال العدالة الجنائية (يوروجست) أن توقيع ترتيبات التعاون مع دولة الإمارات العربية المتحدة يمثل خطوة مهمة لتعزيز التنسيق القضائي الدولي، ومكافحة غسل الأموال والجرائم الإلكترونية، وملاحقة الشبكات الإجرامية التي تستغل الحدود الجغرافية والتطور التكنولوجي للإفلات من العدالة.
حوار: خالد بكداش – رئيس تحرير وكالة أنباء هولندا – أبوظبي
في ظل تصاعد التحديات الأمنية والقضائية المرتبطة بالجريمة المنظمة العابرة للحدود، والتوسع المتسارع في استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، تبرز أهمية التعاون الدولي وتبادل المعلومات بين السلطات القضائية وأجهزة إنفاذ القانون.
وعلى هامش مؤتمر دولي لمكافحة الجريمة المنظمة، أجرت وكالة أنباء هولندا حواراً خاصاً مع رئيس وكالة يوروجست Michael Schmid، تناول توقيع ترتيبات العمل الجديدة مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وأهمية الشراكات مع دول الشرق الأوسط، ومستقبل التعاون القضائي في مواجهة الجرائم الإلكترونية وغسل الأموال.
وأكد المسؤول الأوروبي أن الجريمة أصبحت ظاهرة عالمية لا تستطيع أي دولة مواجهتها بمفردها، مشدداً على ضرورة تطوير آليات أكثر سرعة وفاعلية لتبادل المعلومات وتعقب الأموال غير المشروعة وتقديم المجرمين إلى العدالة.
وفيما يلي نص الحوار:
اتفاق التعاون مع الإمارات
خالد بكداش: بداية، ما أهمية ترتيبات التعاون التي جرى توقيعها بين وكالة يوروجست ودولة الإمارات العربية المتحدة؟ وما الذي يمكن أن تضيفه إلى منظومة التعاون القضائي الدولي؟

رئيس يوروجست:
نحن سعداء للغاية بتوقيع ترتيبات العمل بين وكالة يوروجست ودولة الإمارات العربية المتحدة، ونعتبر هذه الخطوة تطوراً مهماً في مسار التعاون القضائي الدولي.
لقد أثبتت تجربتنا العملية وجود حاجة متزايدة إلى تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والإمارات العربية المتحدة، خصوصاً في القضايا الجنائية التي تتجاوز حدود دولة واحدة.
وقد بذلت دول أوروبية عديدة، من بينها هولندا، جهوداً كبيرة وناجحة لتطوير تعاونها الثنائي مع الإمارات.
ومن هنا تأتي أهمية الترتيبات الجديدة، التي تهدف إلى استكمال هذه الجهود وسد الفجوات القائمة بالنسبة للدول الأوروبية التي لا تمتلك ترتيبات تعاون ثنائية مماثلة.
كما ستتيح لنا تنسيق التحقيقات والقضايا الجنائية الكبرى التي تشمل عدة دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي، إلى جانب دولة الإمارات العربية المتحدة.
ونرى أن هذه الخطوة ستساعد أعضاء النيابة العامة والقضاة الأوروبيين على المستويين العملي والاستراتيجي، وستسهم في تطوير استراتيجيات مشتركة لمكافحة الجريمة المنظمة، وخاصة غسل الأموال والجرائم الإلكترونية.
وهدفنا الأساسي هو ضمان تقديم مرتكبي الجرائم إلى العدالة، وتعقب الأصول الناتجة عن الأنشطة غير المشروعة وضبطها ومصادرتها.
الجريمة المنظمة أصبحت تحدياً عالمياً
خالد بكداش: بعد مرور نحو خمس سنوات على المؤتمر السابق، كيف تقيمون التحولات التي شهدها التعاون الدولي في مكافحة الجريمة المنظمة؟ وما أبرز التغيرات التي لاحظتموها؟
رئيس يوروجست:
في الواقع، لم أشارك في المؤتمر السابق، وهذه هي مشاركتي الأولى في هذا المؤتمر المرتبط بمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة.
لكن ما لاحظته خلال الاجتماعات والمناقشات والمداخلات هو وجود إدراك دولي متزايد لحقيقة أساسية، وهي أن الجريمة المنظمة أصبحت ذات طبيعة دولية بصورة غير مسبوقة.
لم يعد بإمكان دولة واحدة أو منطقة جغرافية معينة مواجهة هذه التحديات بمفردها.
هناك اليوم روح واضحة من التعاون وتبادل المعلومات، إلى جانب توجه نحو وضع استراتيجيات مشتركة لمواجهة التهديدات الإجرامية.
وأعتقد أن هذا التطور مهم للغاية، لأن التحديات التي تواجه مجتمعاتنا متشابهة إلى حد كبير، ولن نتمكن من تعزيز أمن المواطنين إلا من خلال العمل المشترك والتنسيق الدولي.
الشرق الأوسط شريك مهم في مكافحة الجريمة
خالد بكداش: إلى أي مدى تمثل منطقة الشرق الأوسط أهمية استراتيجية بالنسبة إلى يوروجست؟ وهل ترون ضرورة لتوسيع الاتفاقيات القضائية مع دول المنطقة؟
رئيس يوروجست:
بالتأكيد، التعاون مع دول المنطقة يحظى بأهمية كبيرة.
فعلى سبيل المثال، نلاحظ أن عدداً من القضايا الجنائية التي تحقق فيها الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي يرتبط بدولة الإمارات العربية المتحدة.
وتشمل هذه القضايا غسل الأموال والجرائم الإلكترونية، وفي بعض الحالات قد يكون الأشخاص المشتبه في تورطهم في أنشطة إجرامية موجودين خارج الأراضي الأوروبية.
ولذلك من الضروري ضمان وجود إجراءات فعالة وسلسة للمساعدة القانونية المتبادلة، بما يشمل طلبات التحقيق وجمع الأدلة والتعاون في إجراءات تسليم المطلوبين.
لا ينبغي أن يشعر المجرمون بالأمان لمجرد انتقالهم إلى منطقة بعيدة جغرافياً عن الاتحاد الأوروبي.
ويجب أن تكون لدى السلطات القضائية وأجهزة إنفاذ القانون القدرة على ملاحقتهم وتقديمهم إلى العدالة حتى عندما يوجدون خارج الحدود الأوروبية.
ونحن لا نقتصر في تعاوننا على الإمارات، بل نعمل أيضاً مع دول وشركاء آخرين في الشرق الأوسط، ولدينا بالفعل ترتيبات تعاون مع عدد من دول المنطقة.
ونسعى إلى توسيع هذه الشبكة وتعميق الشراكات القائمة.
ومن أهدافنا المستقبلية أن يكون لدينا ممثلون من دولة الإمارات ودول أخرى في المنطقة يعملون بصورة مباشرة من مقر يوروجست في مدينة لاهاي الهولندية.
وسيكون لذلك أثر إيجابي في تسريع التواصل والتنسيق القضائي وتعزيز الثقة بين المؤسسات المعنية.
الذكاء الاصطناعي يغير طبيعة الجريمة
خالد بكداش: يشهد العالم تحولاً تكنولوجياً متسارعاً، خصوصاً مع انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي. كيف تغيرت طبيعة الجريمة في ظل هذه التطورات؟ وما التحديات الجديدة التي تواجه يوروجست؟
رئيس يوروجست:
أنت محق تماماً. لقد تغيرت طبيعة الجريمة بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة.
فالتوسع في استخدام الإنترنت والترابط الرقمي بين المجتمعات، إلى جانب التطورات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، منح الشبكات الإجرامية قدرات جديدة على استهداف الضحايا في مناطق بعيدة من العالم.
أصبح بإمكان المجرمين تنفيذ عمليات تستهدف أشخاصاً ومؤسسات في قارات أخرى دون الحاجة إلى الوجود الفعلي في المكان نفسه.
وقد شهدنا زيادة ملحوظة في الجرائم الإلكترونية، بما فيها عمليات الاختراق والهجمات التي تستهدف البنية التحتية الحيوية.
كما رصدنا ارتفاعاً كبيراً في جرائم الاحتيال عبر الإنترنت، التي يتعرض لها يومياً آلاف المواطنين في الاتحاد الأوروبي، ومن بينهم مواطنون في هولندا.
وحجم الأضرار الاقتصادية المرتبطة بهذه الأنشطة على المستوى العالمي هائل، ويمكن الحديث عن خسائر تصل إلى تريليونات اليوروهات.
لكن التحدي لا يقتصر على الجرائم الإلكترونية وحدها، بل يشمل أيضاً التطور الكبير في أساليب غسل الأموال ونقل الأصول غير المشروعة.
فالشبكات الإجرامية أصبحت أكثر احترافاً ومرونة، وبعضها يعمل على نطاق عالمي، ويمتلك القدرة على نقل الأموال والأصول بين القارات خلال ثوانٍ معدودة.
وهذا يجعل عمليات التعقب والتحقيق والملاحقة القضائية أكثر تعقيداً.
ومن هنا تبرز أهمية إيجاد توازن بين احترام الضمانات والإجراءات القانونية من جهة، وتجنب التعقيدات الشكلية المفرطة التي قد تعرقل سرعة التعاون من جهة أخرى.
نحن بحاجة إلى بناء الثقة بين أعضاء النيابة العامة والجهات المختصة في الدول المختلفة، وتطوير قنوات اتصال مباشرة وسريعة تتيح تبادل المعلومات والتحرك الفوري عند الضرورة.
هل أوروبا مستعدة لمواجهة الجيل الجديد من الجرائم؟
خالد بكداش: في ضوء هذه التحديات، هل تعتقدون أن الاتحاد الأوروبي ومؤسساته القضائية والأمنية مستعدة بالفعل لمواجهة هذا النوع الجديد من الجرائم العابرة للحدود؟
رئيس يوروجست:
أعتقد أننا لم نصل بعد إلى مستوى الجاهزية الكاملة بنسبة مئة في المئة، لكننا نحرز تقدماً واضحاً في هذا الاتجاه.
هناك تطورات مهمة في أدوات التعاون وتبادل المعلومات، لكن لا يزال أمامنا مجال للتحسين وتعزيز قدراتنا المشتركة.
خالد بكداش: وهل توجد خطط عملية لمعالجة هذه الثغرات وتطوير منظومة التعاون الدولي؟
رئيس يوروجست:
نعم، بالتأكيد.
هناك أنظمة وآليات مختلفة تتيح تبادل المعلومات بين الدول بصورة آمنة وسريعة، ونعمل باستمرار على تطويرها وتحسين فاعليتها.
ومن أهم عناصر قوتنا الشبكة العالمية التي تمتلكها يوروجست، حيث لدينا نقاط اتصال في أكثر من مئة دولة شريكة خارج الاتحاد الأوروبي.
ونسعى إلى تعزيز هذه الشبكة، وفي الوقت نفسه تعميق التعاون مع الدول التي تتمتع بأهمية خاصة بالنسبة إلى الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.
وتُعد دولة الإمارات العربية المتحدة مثالاً مهماً في هذا المجال.
ونأمل في استضافة المزيد من أعضاء النيابة العامة والمختصين من الإمارات ودول أخرى داخل مقر يوروجست في لاهاي.
إن وجود هؤلاء الزملاء معنا سيسمح بتطوير تعاون مباشر ورفيع المستوى، ويساعد على بناء الثقة المتبادلة، وهي عنصر أساسي لنجاح أي شراكة قضائية دولية.
نحو منظومة دولية أكثر سرعة وفاعلية
خالد بكداش: مع اتساع نطاق الجريمة المنظمة وتطور وسائلها، ما الذي تحتاجه المؤسسات القضائية الدولية حتى تتمكن من مواكبة هذه التحولات؟
رئيس يوروجست:
نحتاج أولاً إلى العمل المشترك وتطوير الثقة المتبادلة بين الجهات القضائية وأجهزة إنفاذ القانون في مختلف الدول.
كما نحتاج إلى أنظمة تتيح نقل المعلومات بأمان وسرعة، وإلى قنوات تواصل مرنة يمكن استخدامها عند التعامل مع القضايا العاجلة.
لا يمكن أن نعتمد فقط على الإجراءات التقليدية الطويلة، لأن الشبكات الإجرامية أصبحت تتحرك بسرعة كبيرة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بنقل الأموال والأصول بين الدول.
ولذلك يجب أن تكون استجابتنا أكثر تنسيقاً وفاعلية، مع الالتزام الكامل بالضمانات القانونية.
والتعاون المباشر بين المختصين، إلى جانب وجود شبكات اتصال دولية قوية، سيساعدنا على مواجهة هذه التحديات.
رسالة إلى المجتمع الدولي
خالد بكداش: في ختام هذا الحوار، ما الرسالة التي تودون توجيهها بشأن مستقبل التعاون الدولي في مكافحة الجريمة المنظمة؟
رئيس يوروجست:
أعتقد أن بناء الثقة المتبادلة هو الأساس.
علينا أن نواصل العمل مع شركائنا الدوليين، وأن نوسع شبكة التعاون القضائي، وأن نطور استراتيجيات مشتركة لمواجهة الجرائم التي أصبحت تتجاوز الحدود الوطنية.
إن التعاون الوثيق وتبادل المعلومات والتحرك السريع هي عناصر ضرورية لضمان عدم إفلات المجرمين من العدالة.
ومن خلال هذه الشراكات نستطيع أن نعزز قدرة السلطات القضائية على حماية مجتمعاتنا وجعلها أكثر أمناً.
خالد بكداش: شكراً جزيلاً لكم على هذا الحوار.
رئيس يوروجست: شكراً لكم.
وكالة أنباء هولندا – حوار خاص: خالد بكداش، رئيس التحرير.