الصحفي : خالد فيصل الطويل
في كل مرة تُطرح فيها مشاريع استثمارية جديدة في دمشق، يعود السؤال نفسه بإلحاح: هل نحن أمام تنمية مدروسة، أم أمام اندفاع غير محسوب قد يدفع المدينة ثمنه لاحقًا؟ القلق اليوم لا ينبع من فكرة الاستثمار بحد ذاتها، بل من النهج الذي تُدار به هذه المشاريع، وكأنها منفصلة عن طبيعة دمشق وتاريخها وحساسيتها الفريدة.
دمشق ليست مجرد موقع قابل لإعادة التشكيل وفق اعتبارات اقتصادية ضيقة، بل هي كيان حيّ يحمل ذاكرة ممتدة عبر قرون. من هنا، فإن أي مشروع يُفرض عليها دون دراسة دقيقة لتأثيراته البيئية والاجتماعية، هو في جوهره مخاطرة غير مبررة.
أليس من الأجدى للمدينة استثمار المكان بما يمكنه أن يرمم النقص فوق الأرض كمساحات خضراء ومرافق داعمة لكليات جامعة دمشق الملاصقة والمحاذية للموقع، إضافة إلى استثمار للمساحة تحت الأرض من خلال تضميد جرح المدينة العميق والمتمثل بندرة المساحة الكافية لمواقف السيارات ومحطات الباصات.
الأكثر إثارة للاستغراب أن الجهة التي يُفترض أن تكون حامية للتوازن السياحي والثقافي، تبدو اليوم في موقع الدافع نحو هذه المشاريع. حين تتحول وزارة السياحة إلى طرف ضاغط باتجاه تنفيذ استثمارات داخل قلب المدينة التاريخي، فإن ذلك يطرح تساؤلات مشروعة: لماذا الإصرار على تحميل مركز دمشق كل هذا العبء؟ ولماذا لا يتم توجيه هذه المشاريع إلى مناطق أوسع ضمن دمشق الكبرى أو ريفها القريب، حيث المساحات متاحة والضرر أقل بكثير؟
المشكلة لا تكمن في نقص البدائل، بل في غياب الرؤية المتوازنة. فدمشق لا تعاني من ضيق جغرافي يفرض هذا التمركز القسري للاستثمار داخل نسيجها التاريخي. على العكس، هناك امتدادات واسعة يمكن أن تستوعب مشاريع سياحية حديثة دون أن تمس قلب المدينة أو تخلّ بتوازنها البيئي والاجتماعي.
ما يحدث اليوم يبدو، في جانب منه، إعادة إنتاج لسياسات استثمارية سابقة أثبتت فشلها، وألحقت أضرارًا واضحة بالبنية العمرانية والهوية الثقافية. الاستمرار في هذا النهج لا يعني فقط تجاهل أخطاء الماضي، بل الإصرار على تكرارها، مع ما يحمله ذلك من مخاطر على حاضر المدينة ومستقبلها.
القضية ليست رفضًا للتنمية، بل دفاعًا عن شكلها ومعناها. التنمية التي تضغط على المركز التاريخي وتُضعف تماسكه ليست تنمية، بل استنزاف تدريجي لقيمة لا يمكن تعويضها. والمطلوب اليوم هو إعادة ترتيب الأولويات، بحيث يكون الحفاظ على التراث جزءًا أساسيًا من أي مشروع، لا عقبة يجب تجاوزها.
في النهاية، حماية دمشق ليست خيارًا ثانويًا، بل ضرورة تمليها المسؤولية تجاه مدينة تمثل إرثًا إنسانيًا لا يخص السوريين وحدهم. وأي مشروع يتجاهل هذه الحقيقة، مهما كانت مبرراته، يبقى مشروعًا ناقصًا ومثيرًا للقلق
