Site icon NL NEWS Agency

حين يعرف السوري خبر بلده من الخارج.. هنا تبدأ مشكلة الإعلام

الصحفي محمد رائد كعكة

هناك سؤال ربما يكون أهم من عدد ساعات البث، وأهم من شكل الاستديو، وأهم حتى من طول النشرة وقِصرها:

عندما يحدث شيء مهم في سوريا، إلى أين يذهب السوري أولاً ليعرف ماذا حدث؟

هل يفتح قناة سورية؟ هل يبحث في سانا؟ هل ينتظر مراسلاً سورياً؟ أم يذهب مباشرة إلى قناة خارجية أو منصة عربية أو أجنبية، ثم يعود إلى الإعلام السوري لاحقاً ليرى ماذا سيقول؟

أعتقد أن الإجابة عن هذا السؤال تختصر جزءاً كبيراً من أزمة الإعلام السوري.

قرأت باهتمام رسالة الأستاذ أحمد العقدة حول إصلاح الإعلام السوري، ووجدت فيها تشخيصاً مهماً لكثير من المشكلات التي يعرفها المشاهد السوري جيداً: النبرة التبريرية، التقارير الطويلة، البرامج المتشابهة، ضعف التفاعل مع الناس، وغياب كثير من هموم المحافظات عن الشاشة.

وفي كثير مما طرحه أتفق معه.

لكنني أختلف معه قليلاً في تحديد أين تكمن المشكلة الأكبر.

فربما لا تكون أزمة الإعلام السوري الحقيقية أنه ممل، ولا أن نشراته طويلة، ولا أن برامجه متشابهة. هذه كلها مشكلات مهمة، لكنها في النهاية قابلة للإصلاح بقرار مهني وإدارة جيدة وشكل جديد للبرامج.

أما المشكلة الأصعب فهي شيء آخر تماماً:

أن تجعل السوري يعتبر إعلام بلده مرجعه الأول لمعرفة ما يحدث في بلده.

هنا تبدأ المعركة الحقيقية للإعلام.

وهنا تحديداً يصبح من المفيد أن ننظر إلى تجارب مثل تركيا ومصر؛ لا لننسخها، ولا لنقول إن إعلامهما لا يخطئ، وإنما لنسأل سؤالاً أبسط:

كيف استطاع الإعلام هناك أن يصبح جزءاً أساسياً من صناعة الرأي العام الداخلي، بينما ما زلنا نحن نسأل كيف نقنع السوري أصلاً بأن يعود إلى شاشته السورية؟

في تركيا ومصر، على سبيل المثال، استطاع الإعلام المحلي أن يبني على مدى سنوات حضوراً واسعاً داخل المجتمع، إلى درجة أن المواطن عندما تقع قضية داخلية كبرى يجد أمامه منظومة إعلامية وطنية كاملة تلاحق الحدث، وتستضيف السياسي والمسؤول والخبير والصحفي والمواطن، وتنتج نقاشها الداخلي بلغتها ومن داخل مجتمعها.

وهنا لا أقصد إطلاقاً أن كل ما تقوله أي وسيلة إعلام مصرية أو تركية هو حقيقة مطلقة، ولا أن المواطن المصري أو التركي لا يشاهد قناة أجنبية أبداً؛ فهذا تعميم لا يحتاجه النقاش.

لكن الفكرة الأهم أن قوة الإعلام الوطني تظهر عندما يصبح هو المصدر الطبيعي الأول للمواطن، بينما تتحول وسائل الإعلام الخارجية إلى مصادر إضافية وليست بديلاً عن إعلام بلده.

وهذا، برأيي، هو الفارق الذي ينبغي أن يشغلنا في سوريا.

النجاح ليس أن تمنع السوري من مشاهدة قناة عربية أو أجنبية. هذا غير ممكن في عصر الهاتف والإنترنت والمنصات المفتوحة، ولا ينبغي أن يكون هدفاً أصلاً.

النجاح الحقيقي هو أن تجعل السوري، عندما يسمع خبراً عن بلده في قناة خارجية، يفتح الإعلام السوري ليتأكد منه، لا أن يحدث العكس.

هذه هي المعادلة التي يجب قلبها.

نريد أن نصل إلى مرحلة تصبح فيها المعلومة السورية الصادرة من دمشق أو حلب أو الحسكة أو درعا أو اللاذقية هي نقطة البداية، ويصبح الآخرون هم الذين ينقلون عنها ويناقشون ما نشرته، بدلاً من أن ينتظر السوري خبراً عن مدينته من شاشة تقع على بعد آلاف الكيلومترات.

ومن هنا أيضاً أختلف قليلاً مع ما ورد في الرسالة حول وكالة سانا، والتساؤل عما إذا كانت محلية أم إقليمية أم عربية أم دولية، وما إذا كانت تحاول أن تتعملق على نفسها.

والسؤال عندي هو العكس:

لماذا لا تطمح سانا إلى أن تكون وكالة إقليمية ذات وزن؟

ليس العيب أن تنتج سانا 93 ألف مادة، ولا أن تطمح إلى الوصول خارج الحدود. الطموح بحد ذاته ليس هدراً.

لكن الرقم الكبير لا يكفي أيضاً.

السؤال الحقيقي ليس: كم مادة أنتجت؟

بل: كم مادة صنعت أثراً؟

كم خبراً انفردت به الوكالة فأصبح مرجعاً؟

كم قصة سورية جعلت وسائل الإعلام العربية والدولية تقول: «بحسب وكالة سانا»؟

وكم مرة عاد المواطن السوري نفسه إلى سانا لأنه يعرف أنه سيجد لديها المعلومة الأسرع والأوضح والأكثر موثوقية؟

العدد وحده ليس إنجازاً، هذا صحيح. لكن الحل ليس في تقليص الطموح، وإنما في تحويل الإنتاج إلى تأثير، وتحويل الخبر إلى مرجعية.

وفي المقابل، أتفق تماماً مع الأستاذ أحمد في واحدة من أهم النقاط التي طرحها: ضرورة كسر الشخصية التبريرية التي ورثها الإعلام السوري.

فالإعلام القوي لا يحتاج إلى الدفاع عن الحكومة في كل خبر، ولا إلى إقناع المواطن بأن كل شيء جيد، ولا إلى وضع تقرير طويل بعد كل معلومة لتفسيرها وتبريرها.

بل ربما تكون المعادلة معكوسة تماماً.

قوة الإعلام الوطني تبدأ عندما يثق المواطن بأنه سيخبره أيضاً بما لا يسره.

إذا انقطعت الكهرباء، قل إنها انقطعت، ثم اسأل لماذا ومتى تعود.

إذا أخطأت مؤسسة، قل إنها أخطأت، واسأل المسؤول عن الخطأ.

إذا غضب الناس في محافظة ما، اذهب إليهم واسمع منهم قبل أن تشرح لهم لماذا لا ينبغي أن يغضبوا.

وإذا انتشرت إشاعة، فلا تنتظر ثلاثة أيام حتى تصبح حقيقة في أذهان الناس، ثم تصدر بياناً لنفيها.

لأن الفراغ في الإعلام لا يبقى فراغاً.

إذا لم تملأه أنت بالمعلومة، سيملؤه غيرك بالرواية التي يريدها.

ولهذا فإن السبق الإعلامي اليوم ليس أن تكون أول من يقول الخبر فقط، بل أن تكون أول من يكتسب ثقة الناس في روايته للخبر.

وأتفق كذلك مع فكرة إعطاء المحافظات مساحة أكبر، لكنني أعتقد أن المسألة ينبغي أن تتجاوز تخصيص موجز إخباري لكل محافظة.

نحن نحتاج إلى إعلام يشعر فيه ابن دير الزور أن قصته سورية، وابن اللاذقية أن مشكلته سورية، وابن السويداء أن صوته مسموع، وابن إدلب أن حياته اليومية تستحق الشاشة، وابن درعا والحسكة وحلب وحمص وحماة والرقة وطرطوس والقنيطرة وريف دمشق أن الإعلام الوطني ليس إعلام العاصمة الذي يتذكر المحافظات عندما يقع حدث كبير، ثم يعود إلى دمشق.

الإعلام الوطني الحقيقي هو الذي يجعل البلاد كلها غرفة أخبار واحدة.

وهنا تصبح الاتصالات المباشرة مع الجمهور، والتفاعل مع الناس، والذهاب إلى الشارع، والاستماع إلى الشكاوى، وملاحقة القصص المحلية، ليست مجرد إضافات جميلة إلى البرامج، بل جزءاً من بناء الثقة نفسها.

ومع ذلك، أعتقد أن اختصار أزمة الإعلام السوري في شكل البرامج أو طريقة تقديم النشرة سيكون ظلماً للمشكلة.

يمكنك أن تصنع نشرة من عشر دقائق وتبقى مملة وغير مؤثرة.

ويمكن أن تقدم حواراً لساعتين ولا يترك المشاهد الشاشة دقيقة واحدة.

يمكنك أن تبني أحدث استديو، وتستخدم أحدث الكاميرات والغرافيك، ثم لا يصدقك أحد.

ويمكن لمراسل يحمل هاتفاً في شارع بعيد أن يصنع خلال دقيقتين مادة يتابعها الملايين.

الفارق ليس في المدة وحدها، ولا في التقنية وحدها.

الفارق هو:

هل يشعر المشاهد أن ما يراه يعنيه؟

وهل يثق بمن يخاطبه؟

لهذا أعتقد أن التحدي أمام وزارة الإعلام اليوم ليس صناعة إعلام أقل مللاً فقط، بل صناعة مرجعية إعلامية سورية.

إعلام سريع بما يكفي لكي يسبق الإشاعة.

وجريء بما يكفي لكي يعترف بالمشكلة.

ومحلي بما يكفي لكي يعرف تفاصيل الناس.

ووطني بما يكفي لكي يتحدث إلى جميع السوريين.

ومهني بما يكفي لكي يصدقه حتى من يختلف معه.

عندها فقط يمكن أن نقترب من قوة تجارب إعلامية راسخة في دول مثل تركيا ومصر؛ ليس لأن المواطن هناك ممنوع من مشاهدة الخارج، وليس لأن الإعلام المحلي معصوم من الخطأ، وإنما لأن الداخل يمتلك من الحضور والقوة والتأثير ما يجعله قادراً على صناعة جزء كبير من نقاشه العام بنفسه.

وربما علينا هنا أن نعيد تعريف النجاح الإعلامي من الأساس.

نجاح الإعلام السوري ليس في أن يقول للمواطن: شاهدني.

وليس في أن يطلب منه أن يثق به.

فالثقة لا تُطلب بقرار، ولا تُصنع بتقرير، ولا تأتي من كثرة تكرار الرواية نفسها.

الثقة تُبنى خبراً بعد خبر، وموقفاً بعد موقف.

وحين يكتشف المواطن أن إعلامه كان الأسرع عندما احتاج إلى المعلومة، والأصدق عندما حدث خطأ، والأجرأ عندما كان السؤال صعباً، والأقرب عندما كانت المشكلة في حارته ومدينته، فلن تحتاج الشاشة عندها إلى أن تطلب منه العودة إليها.

سيعود وحده.

وهذا، في رأيي، هو الامتحان الأصعب للإعلام السوري في المرحلة المقبلة:

ليس كيف نجعل السوري يشاهد الإعلام السوري، بل كيف نجعله يحتاج إليه.

لأن المشاهد يستطيع أن يغادر القناة بضغطة زر…

أما إذا أصبحت القناة مرجعه، فسوف يعود إليها بإرادته.

كاتب

Exit mobile version