الصحفي – خالد فيصل الطويل
قبل سقوط نظام الأسد، لم تكن المواقف التي صدرت عن بعض السوريين رمادية أو قابلة للتأويل الناعم، بل كانت صريحة إلى حد الصدمة. فهناك من أعلن بوضوح أنه سيشكر إسرائيل إن ساهمت في التعجيل بالخلاص من النظام، في وقت كان فيه آخرون يرون أن إسرائيل نفسها تؤدي دوراً غير مباشر في حمايته ومنع سقوطه. هذا التناقض لم يكن عبثياً، بل كان نتاج واقع شديد القسوة والتعقيد.
في تلك المرحلة، ومع تصاعد إجرام إيران وميليشياتها على الأرض السورية، ووقوف بعض الأصوات الفلسطينية إلى جانب النظام، تشكّل لدى شريحة واسعة من السوريين شعور عميق بأنهم تُركوا وحدهم في مواجهة آلة قتل، بينما تُستخدم شعارات “المقاومة والممانعة” كأدوات دعائية لتبرير القمع وإطالة عمر السلطة. هنا، لم يعد غريباً أن ترتفع أصوات تقول بوضوح: نحن سوريون أولاً، ولا يعنينا إلا إنقاذ سوريا، حتى لو تطلّب ذلك إعادة النظر في كل المسلّمات.
ضمن هذا السياق، لم يخفِ كثيرون استعدادهم للقبول بسلام مع إسرائيل، بشرط استعادة الأراضي السورية المحتلة، مقابل الاكتفاء بدعم سياسي للفلسطينيين في إقامة دولتهم على حدود عام 1967. هذه المواقف، مهما بدت صادمة، لم تكن في نظر أصحابها خيانة، بل محاولة يائسة للخروج من جحيم مفتوح، بعد أن دفع السوريون أثماناً باهظة لشعارات لم تحمِهم.
لكن المفارقة التي لا يمكن تجاهلها، أن من اتُّهموا بالخيانة حينها هم أنفسهم من كانوا يُقارنون—بمرارة—باصطفافات أخرى لم تُوصَف بالحدة ذاتها. كيف يمكن تجاهل اصطفاف حركة مثل حماس، ذات الخلفية السنية، مع إيران التي شاركت بشكل مباشر في قتل السوريين؟ أليس هذا أيضاً شكلاً من أشكال التناقض الأخلاقي والسياسي؟ ولماذا يُدان طرف ويُمنح آخر مبرراته؟
السؤال نفسه يُطرح اليوم بشكل أكثر حساسية مع ما يحدث في بعض المناطق السورية، حيث برزت ممارسات صادمة، من بينها حالات انبطاح سياسي أو أمني لبعض الأطراف المحلية تحت مظلة الكيان الإسرائيلي. هل يمكن تفسير ذلك بالخوف؟ بالبحث عن حماية؟ أم أنه سقوط سياسي وأخلاقي لا لبس فيه؟ خاصة عندما يتم توثيق أحداث دامية—كما في السويداء—ويوصف بعضها بالمجازر من جهات دولية، مع اعتراف رسمي بحدوثها.
ومع أسئلة عديدة تدور في بال السوريين مثل:
هل شكر إسرائيل خيانة… أم صرخة نجاة؟
هل كل من بحث عن النجاة يُعد خائناً؟
لماذا يُدان بعض السوريين ويُبرَّر غيرهم؟
هل غيّرت الحرب تعريف الوطنية في سوريا؟
أين تنتهي الضرورة وتبدأ الخيانة؟
عندما يتحول المحرّم إلى خيار: ماذا فعلت الحرب بالسوريين؟
مع الأسئلة السابقة ومثلها الكثير، يحاول البعض وضع كل هذه المواقف في سلة واحدة تحت عنوان “الضرورة”، لكن الحقيقة أن هناك فارقاً واضحاً بين من يعبّر عن موقف سياسي تحت ضغط الإبادة، وبين من يذهب إلى خطوات رمزية واستفزازية تمس جوهر السيادة الوطنية. رفع العلم الإسرائيلي داخل مدينة سورية، وعلى أيدي سوريين، لا يمكن تبريره تحت أي ظرف. هذا ليس مجرد موقف سياسي، بل فعل يحمل دلالات عميقة تتجاوز اللحظة، خاصة في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا منذ سقوط النظام وحتى اليوم.
إن تسمية الأشياء بمسمياتها لا تعني تبسيط المشهد، بل العكس تماماً. ما قاله بعض السوريين قبل سقوط الأسد كان صرخة ألم، لكنه أيضاً كسر لمحرمات سياسية. وما تفعله بعض الأطراف اليوم ليس فقط تعبيراً عن الخوف، بل انزلاق خطير نحو شرعنة واقع لا يمكن قبوله وطنياً.
في النهاية، ليست كل المواقف سواء، وليس كل ما يُبرر تحت ضغط الألم مقبولاً. لكن الأخطر من كل ذلك، هو الكيل بمكيالين في الحكم على الاصطفافات. فإذا كان لا بد من مراجعة صادقة، فلتكن شاملة، لا انتقائية… لأن الأوطان لا تُبنى على ذاكرة قصيرة أو معايير مزدوجة.
