
الصحفي محمد رائد كعكة
لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي في سوريا مجرد مساحات لتبادل الآراء، بل تحوّلت إلى مجال عام بديل، تُدار فيه نقاشات سياسية واجتماعية حادة، وتنعكس عبره أزمات نفسية وتراكمات طويلة من الصراع والانقسام. هذا التحوّل يضع مسألة حرية التعبير في مواجهة مباشرة مع سؤال المسؤولية، ليس فقط على مستوى الأفراد، بل أيضاً على مستوى الدولة بوصفها الجهة المعنية بتنظيم المجال العام وحمايته.
ما يُلاحظ في الفضاء الرقمي السوري هو تصاعد خطاب متطرف، صادر عن أطراف مختلفة، بعضها قريب من السلطة وبعضها في معارضتها. هذا الخطاب، حين يُترك بلا أطر واضحة، لا يبقى في حدود النقاش الافتراضي، بل يمتد أثره إلى الشارع، حيث يُسهم في إعادة إنتاج الانقسام، ويُضعف أسس السلم الأهلي. من هنا، يصبح غياب سياسات إعلامية واضحة ومتوازنة عاملاً مساعداً على هذا الانفلات، حتى من دون قصد مباشر.
التحولات التي طرأت على خطاب عدد من الصحفيين والناشطين السوريين تطرح بدورها أسئلة مقلقة. شخصيات كانت تُعرّف نفسها طويلاً كمدافعة عن حرية التعبير، بات بعضها اليوم يبرّر الإقصاء الإعلامي أو يشارك في حملات تخوين وتحريض. هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن بيئة عامة لم تُرسَّخ فيها الحرية كحق قانوني ثابت، بل كمساحة رمادية، تتسع أو تضيق وفق السياق السياسي.
في هذا السياق، يبرز دور الدولة السورية لا كطرف في النقاش، بل كضامن له. فالدولة، في أي مجتمع، لا تُقاس فقط بقدرتها على فرض الأمن التقليدي، بل أيضاً بقدرتها على حماية المجال العام من الانزلاق نحو العنف الرمزي، الذي كثيراً ما يمهّد للعنف المادي. تنظيم الفضاء الرقمي لا يعني تقييد حرية التعبير، بل وضع ضوابط قانونية واضحة تميّز بين النقد المشروع وخطاب التحريض والكراهية.
الإعلام الحكومي، بوصفه أحد أدوات الدولة في التواصل مع المجتمع، يتحمّل بدوره مسؤولية خاصة. فحين يبتعد هذا الإعلام عن المهنية والحياد، وينزلق نحو خطاب تعبوي أو شعبوي، فإنه يفقد قدرته على لعب دور تهدئة التوتر وشرح السياسات وشرح الاختلاف. وعلى العكس، قد يُسهم، ولو من دون قصد، في شرعنة مناخ الاستقطاب الذي يهيمن على مواقع التواصل.
تأثير الخطاب الرقمي العنيف يتجاوز السياسة المباشرة. اللغة القاسية، والتصنيفات الحادة، ومنطق التخوين، تُنتج بيئة نفسية واجتماعية تجعل العنف مفهوماً أو مقبولاً في الوعي الجمعي، خصوصاً في مجتمع خرج لتوّه من سنوات طويلة من الصراع. هنا، تصبح مسؤولية الدولة مضاعفة: حماية حرية الرأي من جهة، ومنع تحوّل هذه الحرية إلى أداة تفكيك اجتماعي من جهة أخرى.
ما يشهده الفضاء الرقمي السوري اليوم هو اختبار حقيقي لمعنى الحرية في سياق هش. فحرية التعبير لا تكتمل من دون دولة تضمنها بقوانين عادلة، وإعلام مهني، وآليات مساءلة شفافة. وفي المقابل، لا يمكن تحقيق الاستقرار عبر الصمت القسري أو التضييق، بل عبر بناء ثقة متبادلة تجعل الكلمة أداة نقاش، لا وقوداً للفوضى.
في هذا المشهد، قد يبدو الصمت الذي يختاره بعض الأفراد موقفاً واعياً أكثر منه انسحاباً. فهو تعبير عن رفض الانخراط في خطاب يرى أن الحرية مسؤولية قبل أن تكون حقاً، وأن حماية المجتمع تبدأ من حماية اللغة نفسها. لكن هذا الوعي الفردي، مهما اتسع، لا يمكن أن يكون بديلاً عن دور الدولة، التي تبقى الجهة الوحيدة القادرة على رسم حدود واضحة بين حرية التعبير وخطاب العنف، بما يحفظ حق الاختلاف ويمنع انزلاقه إلى فوضى مفتوحة





