الصحفي خالد فيصل الطويل
في بدايات الثورة السورية، لم تكن المجالس المحلية الثورية—حتى السرية منها—تكتفي بإدارة العمل الخدمي والإغاثي، بل سعت أيضاً إلى ترسيخ منظومة قيمية واضحة. ومن أبرز ما شددت عليه: صون كرامة المحتاج، حتى عند توثيق العمل الإنساني. كانت القاعدة البسيطة تقول: وجه المحتاج ليس مادة للعرض.
اليوم، ومع تداول مقاطع مصورة لمسؤولين أثناء توزيع مساعدات أو مكافآت، يعود هذا المبدأ إلى الواجهة. فالمشكلة لا تتعلق بالفعل بحد ذاته—أي تقديم الدعم—بل بالطريقة التي يُقدَّم بها. حين يتحول الدعم إلى مشهد استعراضي أمام الكاميرات، يبرز سؤال جوهري: هل الهدف خدمة الناس أم صناعة صورة إعلامية؟
من الناحية الإدارية، تمتلك الجهات التنفيذية أدوات واضحة ومنظمة لتقديم الدعم أو المكافآت، بما يضمن العدالة والشفافية والتوثيق المحاسبي. هذه الآليات لا تقتصر على تنظيم الصرف، بل تحمي أيضاً كرامة المستفيدين وتمنع الانتقائية. في المقابل، فإن التوزيع المباشر بطريقة علنية وفردية—حتى لو كان بدافع شخصي أو من مال خاص—قد يُفهم على أنه ممارسة تحمل طابعاً تفضيلياً، أو تفتح الباب لتفسيرات تتعلق بالمحسوبيات أو كسب الولاءات.
هذه الممارسات، بغض النظر عن النوايا، تترك أثراً على صورة المؤسسات العامة. فالثقة لا تُبنى فقط عبر القرارات، بل عبر الانطباعات التي تترسخ لدى الناس. وعندما تبدو الإجراءات غير واضحة أو غير متكافئة، فإن ذلك يعزز الشكوك، حتى لدى من يميلون إلى حسن الظن.
من هنا، يتوسع النقاش ليشمل مسألة الشفافية المالية، باعتبارها أحد أعمدة أي دولة تسعى إلى ترسيخ العدالة والنزاهة. فهل من الضروري أن تكون هناك آليات واضحة للإفصاح عن ممتلكات كبار المسؤولين قبل توليهم مناصبهم وبعد مغادرتها؟ وهل يمكن لمثل هذه الخطوة أن تسهم في تقليص الفجوة بين السلطة والمجتمع؟
لا شك أن هناك شخصيات عامة تحظى بسمعة نظيفة، سواء قبل الثورة أو خلالها. لكن في المقابل، هناك أيضاً تصورات شعبية—صحيحة أو مبالغ فيها—حول استفادة بعض الأفراد من ظروف الحرب والأزمات. هذه التصورات، إن لم تُواجَه بسياسات شفافة وواضحة، قد تتحول إلى قناعات راسخة تؤثر على شرعية أي سلطة قائمة.
السؤال هنا ليس اتهاماً بقدر ما هو دعوة للتفكير:
هل تكفي النوايا الحسنة لبناء الثقة؟ أم أن المرحلة الحالية تتطلب معايير أكثر صرامة في الشفافية والمساءلة؟
في نهاية المطاف، قد يكون الرهان الحقيقي لأي سلطة انتقالية ليس فقط في إدارة الملفات اليومية، بل في قدرتها على تقديم نموذج مختلف—نموذج يوازن بين الفعالية الإدارية واحترام الكرامة الإنسانية، ويجعل من الشفافية قاعدة لا استثناء.
