Site icon NL NEWS Agency

حنّا دياب: الرحّالة الحلبي الذي أعاد إحياء ألف ليلة وليلة

الباحث والصحفي : محمد رائد كعكة

في مطلع القرن الثامن عشر، حين كانت حلب واحدة من أعرق مدن الشرق وأقدم الحواضر المأهولة في التاريخ الإنساني، وملتقى القوافل والتجار والحجاج منذ آلاف السنين، وُلد شاب اسمه حنّا دياب. لم يكن هذا الشاب يدرك أن رحلاته ستقوده من أسواق حلب العتيقة إلى بلاط الملك الفرنسي لويس الرابع عشر، وأن حكايته الشخصية ستُصبح جزءًا من أشهر كتاب حكايات في تاريخ البشرية: ألف ليلة وليلة.

النشأة في حلب: بين التجارة والرهبنة

وُلد حنّا دياب في حلب نحو عام 1688، لأسرة مسيحية مارونية تعمل في التجارة. وكانت حلب عبر تاريخها الطويل مركزًا حضاريًا وتجاريًا عالميًا، تتقاطع فيها طرق الحرير والقوافل، وتستقر فيها جاليات متعددة من الشرق والغرب، ما منح أبناءها أفقًا واسعًا واحتكاكًا مبكرًا باللغات والثقافات الأجنبية¹.

في هذا المناخ الحضاري المفتوح نشأ حنّا، فاكتسب خبرة مبكرة في التجارة والتنقل، قبل أن يلتحق في شبابه بدير ماروني في جبل لبنان حيث تلقّى تعليمًا دينيًا. غير أن نزعة الرحلة والاكتشاف، المتجذّرة في بيئة حلب التجارية المنفتحة، دفعته إلى مغادرة الحياة الرهبانية والعودة إلى مدينته، منخرطًا في عالم السفر والتجارة².

اللقاء المفصلي: أنطوان غالان

في عام 1707 وصل إلى حلب المستشرق الفرنسي أنطوان غالان، الذي كان يجمع المخطوطات الشرقية ويعمل على ترجمة ألف ليلة وليلة إلى الفرنسية. وكانت حلب آنذاك محطة رئيسية للباحثين والتجار الأوروبيين في الشرق، لما تمتلكه من مخطوطات وأسواق وطبقات مثقفة متعددة اللغات³.

التقى غالان بحنّا دياب، ودوّن في يومياته أنه تعرّف إلى “شاب حلبي” واسع المعرفة بالعادات والقصص الشرقية. وقد بدأ حنّا يروي له حكايات شعبية سمعها في حلب والمنطقة، فكتبها غالان بالفرنسية وأدرجها في ترجمته⁴.

ومن أبرز القصص التي تُنسب روايتها إلى حنّا دياب:

علاء الدين والمصباح السحري

علي بابا والأربعون لصًا

الأمير أحمد والجنية باري بانو

وهذه القصص تحديدًا لم تُعرف في المخطوطات العربية قبل نشر ترجمة غالان، ما يرجّح اعتمادها على الرواية الشفوية التي نقلها دياب⁵.

الرحلة إلى أوروبا: من حلب إلى باريس

لم يكتفِ غالان بتدوين حكايات حنّا، بل اصطحبه معه في رحلة إلى أوروبا عام 1707–1709. انطلقا من حلب، المدينة التي شكّلت نقطة انطلاق القوافل والرحلات عبر القرون، إلى موانئ المتوسط ثم إلى إيطاليا وفرنسا. وقد وصف حنّا في مذكراته دهشته من المدن الأوروبية ومن التقدم التقني والعروض المسرحية التي شاهدها⁶.

زار حنّا باريس وقصر فرساي في أواخر عهد لويس الرابع عشر، ودوّن مشاهداته للحدائق الملكية والآلات الميكانيكية والاحتفالات، مقدّمًا واحدة من أقدم شهادات الرحالة العرب عن فرنسا في العصر الحديث⁷.

لكن إقامته الأوروبية لم تدم طويلًا؛ فبعد فترة من مرافقة غالان، لم يحصل على موقع ثابت في فرنسا، فعاد إلى المشرق بعد نحو عامين.

العودة إلى حلب: حياة عادية وأثر عالمي

عاد حنّا دياب إلى حلب حوالي 1710، إلى مدينته التي كانت عبر العصور مركزًا تجاريًا وثقافيًا نابضًا بالحياة. وهناك استقر وتزوّج وعمل تاجرًا، وعاش بقية حياته بعيدًا عن الأضواء، دون أن يُعرف أنه ساهم في نقل بعض أشهر قصص ألف ليلة وليلة إلى العالم. فقد اكتفى غالان بالإشارة إليه في يومياته دون إبراز اسمه كمصدر أساسي⁸.

وهكذا دخلت قصص علاء الدين وعلي بابا الأدب العالمي بوصفها جزءًا من ألف ليلة وليلة، بينما ظل الراوي الحلبي الذي نقلها مجهولًا لقرون.

المذكرات: اكتشاف متأخر

في أواخر حياته كتب حنّا دياب مذكراته بالعربية، يروي فيها رحلته مع غالان ومشاهداته في أوروبا. تُعد هذه المخطوطة من أقدم نصوص الرحلات العربية إلى الغرب في القرن الثامن عشر.

بقيت المذكرات محفوظة في مكتبة الفاتيكان حتى اكتشفها الباحثون في القرن العشرين، ثم نُشرت محققة في القرن الحادي والعشرين، ما أعاد الاعتبار لحنّا دياب كشخصية تاريخية ومصدر أساسي لبعض حكايات ألف ليلة وليلة⁹.

حنّا دياب وألف ليلة وليلة: مساهمة الراوي

لم يكن حنّا دياب مؤلفًا لألف ليلة وليلة، بل راوٍ شفهي نقل قصصًا شعبية إلى مستشرق أوروبي. غير أن هذه الروايات الشفوية، بعد تدوينها وترجمتها، أصبحت جزءًا من النص العالمي للكتاب. وهكذا أسهم دياب في تشكيل النسخة التي عرفها العالم الحديث من ألف ليلة وليلة، خصوصًا في أوروبا¹⁰.

خاتمة

عاش حنّا دياب حياته تاجرًا حلبيًا عاديًا، لكنه خرج من واحدة من أقدم المدن المأهولة في التاريخ الإنساني، المدينة التي شكّلت عبر آلاف السنين جسرًا بين الحضارات ومركزًا للتجارة والثقافة. ومن هذه البيئة العريقة انطلق راوٍ شرقي حمل حكايات مدينته ومحيطه إلى العالم.

وبين أسواق حلب العتيقة وقصور فرساي، ظل اسمه منسيًا حتى أعاد البحث التاريخي اكتشافه بوصفه أحد أهم الرواة في تاريخ ألف ليلة وليلة.

المراجع

Marcus, Abraham. The Middle East on the Eve of Modernity: Aleppo in the Eighteenth Century. Columbia University Press, 1989.

Diab, Hanna. The Book of Travels (Kitāb al-Siyāḥa), ed. Paul Fahmy & Bernard Heyberger. New York University Press, 2015.

Heyberger, Bernard. “Hanna Dyâb, un Aleppin à Paris sous Louis XIV.” Arabica, 2007.

Galland, Antoine. Journal, entries 1709.

Marzolph, Ulrich & van Leeuwen, Richard. The Arabian Nights Encyclopedia. 2004.

Diab, The Book of Travels, 2015.

Heyberger, 2007.

Galland, Journal.

Fahmy, Paul. Introduction to The Book of Travels. NYU Press, 2015.

Irwin, Robert. The Arabian Nights: A Companion. 1994.

Exit mobile version