Site icon NL NEWS Agency

تشكيل الجاليات السورية في الاغتراب : بين روح الوطنية و فتنة الطائفية

الصحفي خالد فيصل الطويل

لم يعد السوريون في دول الاغتراب مجرد أفراد متفرقين تجمعهم ذاكرة مشتركة، بل باتوا واقعاً اجتماعياً متكاملاً يفرض نفسه في مدن وعواصم تمتد من أوروبا إلى ما وراءها. ومع هذا التحول، يبرز سؤال جوهري: هل يكفي الحضور العددي لصناعة التأثير، أم أن الأمر يتطلب إطاراً منظماً يُترجم هذا الوجود إلى قوة فاعلة؟ هنا تحديداً تتجلى أهمية تشكيل الجاليات السورية، ليس كخيار ثانوي، بل كحاجة ملحّة.

تشكيل الجاليات في دول الاغتراب عموماً، وأوروبا خصوصاً، ليس مهمة سهلة. فالقوانين الأوروبية، رغم دعمها للعمل المدني، تفرض معايير واضحة للشفافية والحوكمة. هذه المعايير تصطدم أحياناً بواقع السوريين القادمين من بيئة كان فيها العمل المؤسسي مهزوماً لعقود. لكن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في الإجراءات القانونية، بل في القدرة على الانتقال من منطق المبادرات الفردية إلى العمل الجماعي المنظم.

في كثير من الحالات، نرى محاولات لتشكيل جاليات تتعثر بسبب الانقسامات، أو ضعف الثقة، أو غياب الخبرة. تتعدد الكيانات، وتتشابه الأسماء، لكن التأثير يبقى محدوداً. والنتيجة هي مشهد مشتت لا يعكس الحجم الحقيقي للسوريين ولا إمكاناتهم. وهنا تكمن المفارقة: حضور قوي، مقابل تمثيل ضعيف.

ورغم هذه التحديات، فإن أهمية الجاليات لا يمكن إنكارها. فهي الإطار الطبيعي الذي يحوّل الوجود البشري إلى كيان اجتماعي منظم. من خلالها يمكن الحفاظ على الهوية الثقافية، ونقل اللغة والتقاليد إلى الأجيال الجديدة، ومنع الذوبان الكامل في المجتمعات المضيفة دون توازن.

كما تلعب الجاليات دوراً أساسياً في دعم الاندماج، لا كبديل عنه بل كرافعة له. فالجالية القوية تساعد أفرادها على فهم القوانين، والوصول إلى الفرص، والتفاعل مع المجتمع المحلي بثقة أكبر. وهي أيضاً جسر تواصل مع المؤسسات الرسمية، تتيح للسوريين التعبير عن احتياجاتهم ومصالحهم بشكل جماعي ومنظم.

لكن الدور الأهم للجاليات يتجاوز حدود دول الاغتراب. نحن أمام ظاهرة “الفاعل العابر للحدود”، حيث تتحول الجاليات إلى امتداد حيّ للوطن خارج حدوده. من خلال الدعم الإنساني، والتحويلات المالية، ونقل المعرفة، وحتى التأثير في الرأي العام الدولي، تصبح الجاليات جزءاً من معادلة الداخل، لا مجرد مراقب من الخارج.

في هذا السياق، يمكن للجاليات السورية أن تلعب دوراً محورياً في مستقبل سوريا. فهي تضم شريحة واسعة من الكفاءات والخبرات التي اكتسبت معرفة بأنظمة متقدمة في الإدارة والتعليم والاقتصاد. وإذا ما تم تنظيم هذه الطاقات ضمن أطر مؤسسية، يمكن أن تتحول إلى قوة حقيقية تساهم في إعادة الإعمار، ليس فقط مادياً، بل أيضاً على مستوى بناء المؤسسات.

غير أن هذا الدور يظل مشروطاً بقدرة الجاليات على تجاوز أزماتها الداخلية. فلا يمكن لجالية منقسمة أن تكون مؤثرة، ولا لكيان يفتقر إلى الشفافية أن يحظى بالثقة.

إن تشكيل الجاليات السورية في الاغتراب هو، في جوهره، اختبار للوعي الجماعي. هل يستطيع السوريون، بعد سنوات من التشتت، أن يعيدوا بناء أنفسهم كجماعة منظمة؟ أم سيبقون أسرى الفردية والانقسام؟

هل سينتهي ما يمكن ان نسميه جاليات بلا صوت فتنجح الجاليات في تمثيل نفسها وينتصر السوريون بمعركة التنظيم في أوروبا لتتحول الجاليات السورية إلى قوة مؤثرة ويكون السوريون خارج الحدود قوة كامنة لا فرصة مهدورة؟

في النهاية، لا تُقاس قوة الجاليات بعددها، بل بقدرتها على الفعل. والسوريون، حيثما وجدوا، يمتلكون المقومات. ما ينقصهم ليس الإمكانات، بل الإطار الذي يجمعها ويوجهها هذا الإطار هو الجالية.

كاتب

Exit mobile version