الصحفي محمد رائد كعكة
إعلان الهيئة العامة للطيران المدني السوري عن السعي لإطلاق رحلات مباشرة بين دمشق وأمستردام اعتباراً من مطلع يوليو المقبل ليس مجرد خبر يتعلق بقطاع الطيران، بل يحمل أبعاداً سياسية تتجاوز حركة المسافرين بين البلدين.
ففي الوقت الذي رحب فيه كثير من السوريين بإعادة فتح نافذة مباشرة مع أوروبا بعد سنوات من العزلة، استقبل آلاف طالبي اللجوء السوريين في هولندا الخبر بقلق واضح، خشية أن تكون هذه الخطوة مقدمة لمرحلة جديدة من سياسة الهجرة، قد تشمل تسريع إعادة من رُفضت طلبات لجوئهم، أو حتى توسيع عمليات العودة مستقبلاً.
قد يكون هذا القلق مفهوماً، لكنه لا يعني بالضرورة أن هناك قراراً وشيكاً بالترحيل الجماعي. إلا أن المؤكد هو أن أي سياسة أوروبية لإعادة اللاجئين تحتاج إلى حد أدنى من التواصل الرسمي مع الدولة التي سيُعاد إليها هؤلاء، وهو ما يجعل العلاقات مع دمشق جزءاً من النقاش السياسي في المرحلة المقبلة.
ولا يمكن فصل هذه الخطوة عن الصعوبات التشغيلية التي عطّلت عودة الطيران المباشر إلى سوريا طوال السنوات الماضية. فالأمر لا يتعلق فقط بوجود طلب من المسافرين، بل بسلسلة معقدة من التراخيص، وتأمين الطائرات، وسلامة الأجواء، والتعاملات المصرفية، وخدمات الصيانة وقطع الغيار، فضلاً عن حساسية العقوبات الأوروبية والأميركية التي أثّرت طويلاً على قطاع الطيران السوري.
وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا لا تكون شركة KLM الهولندية هي من يشغّل الرحلات إلى دمشق، إذا كانت هولندا فعلاً مستعدة لفتح هذا الخط؟ الجواب الأقرب أن الشركات الأوروبية الكبرى تتحرك بحسابات أكثر تحفظاً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بوجهة ما زالت محاطة بمخاطر سياسية وأمنية وتشغيلية. بالنسبة إلى KLM، لا يكفي أن يكون هناك طلب تجاري على الرحلة؛ بل يجب أن تكون البيئة القانونية والتأمينية والأمنية واضحة بما يكفي لحماية الشركة وركابها وسمعتها. لذلك يبدو تشغيل الخط عبر الناقل السوري، لا عبر شركة هولندية، حلاً أقل كلفة سياسياً وأكثر قابلية للاختبار.
أما السؤال الآخر فهو أكثر دلالة: لماذا أمستردام تحديداً، وليس برلين أو ستوكهولم، حيث توجد جاليات سورية أكبر؟ هذا الاختيار قد لا يكون بريئاً تماماً من الحسابات السياسية. ألمانيا والسويد تحملان ملفاً سورياً أثقل وأكثر حساسية، وأي خطوة مباشرة مع دمشق قد تثير جدلاً داخلياً واسعاً. أما هولندا، فرغم وجود جالية سورية كبيرة فيها، تبدو ساحة أكثر قابلية لاختبار هذا النوع من الانفتاح التدريجي: خط طيران أولاً، ثم تعاون قنصلي، ثم نقاش حول العودة الطوعية أو القسرية لاحقاً.
بهذا المعنى، قد تكون أمستردام ليست الوجهة الأكبر من حيث عدد السوريين، لكنها قد تكون الوجهة الأنسب سياسياً لاختبار حدود التعامل الأوروبي الجديد مع دمشق. وإذا نجحت التجربة هولندياً، فقد تصبح نموذجاً قابلاً للتكرار في دول أوروبية أخرى، خصوصاً تلك التي تبحث عن مخرج من ضغط ملف اللجوء السوري دون إعلان تحول سياسي كامل ومباشر تجاه الحكومة السورية.
ومن هنا تبدو مصلحة هولندا أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فملف اللجوء السوري تحول خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أكثر الملفات حضوراً في الحملات الانتخابية الهولندية، وأصبح مادة أساسية للنقاش بين الأحزاب اليمينية واليسارية، كما بات يشكل ضغطاً مستمراً على الحكومات المتعاقبة.
إذا كانت الحكومة الهولندية تريد بالفعل إيجاد حلول عملية لهذا الملف، فإن استمرار القطيعة السياسية مع الحكومة السورية لن يساعدها كثيراً. فالتعاون في ملفات العودة، والوثائق الرسمية، والتنسيق القنصلي، لا يمكن أن يتم في فراغ دبلوماسي.
قد لا يكون الاعتراف الكامل بالحكومة السورية مطروحاً اليوم، لكن من الواضح أن البراغماتية السياسية تفرض نفسها على الدول عندما تتعلق المسألة بمصالحها الداخلية. وإذا كانت هولندا ترى أن إنهاء حالة الجمود في ملف اللاجئين يخدم استقرارها السياسي ويخفف من الاحتقان الداخلي، فإن فتح قنوات التعامل مع حكومة أحمد الشرع قد يصبح خياراً واقعياً أكثر منه خياراً أيديولوجياً.
السياسة في النهاية لا تُبنى على العواطف، بل على المصالح. والدول الأوروبية سبق أن أعادت صياغة علاقاتها مع حكومات عديدة عندما اقتضت مصالحها ذلك. والسؤال اليوم ليس ما إذا كانت هولندا تؤيد الحكومة السورية أو تعارضها، بل ما إذا كانت قادرة على إدارة ملف اللجوء السوري دون أي مستوى من التواصل معها.
قد تكون الرحلات الجوية المباشرة مجرد خط نقل جديد بين دمشق وأمستردام، لكنها قد تكون أيضاً مؤشراً على بداية مرحلة سياسية مختلفة، عنوانها الانتقال من سياسة العزل إلى سياسة إدارة المصالح.
