القاهرة – داليا عطية
في متابعة دقيقة لتوجهات الاستثمار الأجنبي المباشر في منطقة الشرق الأوسط، يبرز اللقاء الأخير بين الفريق مهندس كامل الوزير، نائب رئيس الوزراء المصري، ووفد شركة “شين فينج ستيل” الصينية كحدث محوري يعكس طموحاً استراتيجياً متقاطعاً.
لم يعد الأمر مجرد لقاء بروتوكولي، بل هو تدشين فعلي لأحد أضخم المشاريع المشتركة في قطاع الصلب، باستثمارات مرتقبة تهدف إلى إنشاء مجمع صناعي متكامل.
هذه الشراكة الثنائية تهدف إلى إنتاج ألواح صلب متخصصة (بعرضي 2250 مم و3500 مم)، في خطوة تؤكد التزام مصر بالتحول إلى مركز إقليمي للصناعات الثقيلة، مدعومة بتكنولوجيا صينية متقدمة، لسد الفجوة في أسواق السيارات، والبنية التحتية، وتؤشر إلى مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي العميق بين البلدين.
المشروع الذي رُصدت له استثمارات ضخمة تصل إلى 10 مليارات دولار، لا يعد مجرد مصنع جديد، بل مجمعاً صناعياً متكاملاً يستهدف إعادة صياغة سلاسل القيمة المضافة وتوطين التكنولوجيا الحديثة.
أرقام تعكس ضخامة المشروع
يمتد المجمع على مساحة هائلة تبلغ 10 ملايين متر مربع، وبطاقة إنتاجية مستهدفة تصل إلى 10 ملايين طن سنوياً.
وتتنوع خطوط الإنتاج لتشمل منظومة متكاملة تبدأ من الصلب الكربوني العادي، وصولاً إلى التخصصات الدقيقة مثل قطاع السيارات بإنتاج صلب السيارات والصفائح المجلفنة، وقطاع الطاقة والبنية التحتية بتصنيع ألواح بناء السفن، والجسور، وأوعية الضغط، وهياكل محطات الطاقة الشمسية، وأيضًا قطاع النفط والغاز بتوفير الأنابيب غير الملحومة وخطوط النقل المتخصصة.
التوطين.. سلاح مصر لخفض فاتورة الاستيراد
يأتي هذا المشروع في قلب استراتيجية الدولة المصرية لتوطين صناعة “مكونات السيارات”.
وبحسب تصريحات وزارة الصناعة، فإن الهدف الاستراتيجي هو الاعتماد على خام الحديد المحلي – المتوافر في مناطق الواحات وشرق العوينات وأسوان – لتقليل الاعتماد على الاستيراد، مما يساهم في ضبط الميزان التجاري وتعزيز تنافسية المنتج المصري في الأسواق الدولية.
ثورة في سوق العمل ونقل المعرفة
لا تتوقف أهمية المشروع عند العائد المادي، بل يمتد أثره ليشمل الجانب الاجتماعي والتنموي عبر خلق فرص عمل حيث توفير نحو 15 ألف وظيفة مباشرة، وأكثر من 85 ألف وظيفة غير مباشرة في الصناعات المغذية والخدمات.
وأيضًا بناء الكوادر حيث رفع كفاءة المهندسين والفنيين المصريين، من خلال الاحتكاك بأحدث تكنولوجيات الدرفلة، والمعالجة العميقة.
“الصناعة الخضراء” والالتزام البيئي
في ظل التوجه العالمي نحو الاستدامة، وضع الوزير شرطاً أساسياً لنجاح هذه الاستثمارات كونه “صناعة كثيفة الاستهلاك للطاقة”، وهو ضرورة التوسع في الطاقة الشمسية ومصادر الطاقة النظيفة، هذا التحول نحو “الصلب الأخضر” يهدف إلى خفض تكاليف الإنتاج على المدى الطويل، وتقليل الانبعاثات الكربونية بما يتوافق مع المعايير البيئية الدولية.
المخطط الزمني والمنطقة الاقتصادية
تابع الوزير المخطط الزمني للمشروع، مع استعراض مشروعات الشركة الحالية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، خاصة في مجالات الأجهزة المنزلية ومكونات السيارات.
وقد شددت الحكومة على “الالتزام الصارم” بالمواعيد المحددة للتنفيذ، مؤكدة أنها ستوفر كافة التسهيلات اللوجستية (مياه، طاقة، بنية تحتية) لضمان انطلاق هذا العملاق الصناعي في موعده، ليكون ركيزة أساسية في رؤية مصر للتنمية المستدامة.
هذا المجمع الصناعي يمثل تجسيداً للشراكة بين الدولة المصرية والمستثمرين، لتعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية المصرية، وتحويلها من مواد خام إلى منتجات نهائية عالية القيمة، مما يضع الصناعة المصرية في حقبة جديدة من الإنتاج النوعي الذي يخدم السوق المحلي، ويغزو الأسواق العالمية.
