
الكاتب الصحفي : محمد مصطفى عيد
بعد عام على سقوط نظام الأسد في سوريا ، لم تعد الأسئلة في البلاد تقتصر على إعادة الإعمار أو شكل السلطة الانتقالية، بل امتدت إلى سؤال أكثر حساسية: ماذا عن تحولات الخطاب العام؟ ومن يملك حق إعادة تعريف مواقفه بعد تغير السلطة؟
في الفضاء الإعلامي ووسائل التواصل، وثّق ناشطون وباحثون حالات لصحفيين وكتّاب كانوا يتبنون خطابًا داعمًا للنظام السابق، قبل أن يتحولوا لاحقًا إلى خطاب نقدي حاد، أو إلى مواقع أقرب إلى المعارضة. في المقابل، ظهرت ظاهرة معاكسة: أصوات كانت في صفوف المعارضة سابقًا، باتت اليوم تتحفظ على أي انتقاد علني للسلطة الانتقالية، محذّرة من “تقويض الاستقرار”.
هذه التحولات السريعة أعادت إلى الواجهة سؤال المصداقية: هل نحن أمام مراجعات فكرية مشروعة؟ أم إعادة تموضع تحكمها اعتبارات البقاء والحضور العام؟
ذاكرة الإعلام… وحدود الأمس
لفهم السياق، لا يمكن تجاهل طبيعة البيئة الإعلامية السابقة.
أحمد حمادة، رئيس تحرير صحيفة “الثورة” سابقًا، يصف مرحلة ما قبل السقوط بأنها كانت محكومة بتعليمات مركزية واضحة، مع خطوط حمراء لا يُسمح بتجاوزها، خاصة في ما يتعلق بالمؤسسة العسكرية ومراكز النفوذ.
في تلك البيئة، كما يقول حمادة، كان هامش النقد محصورًا في قضايا خدمية أو اقتصادية، بينما كانت الملفات السياسية الحساسة خارج النقاش. هذا الواقع يطرح سؤالًا إشكاليًا: إلى أي مدى كانت المواقف المعلنة تعكس قناعة شخصية، وإلى أي مدى كانت انعكاسًا لبيئة لا تسمح بخيارات بديلة؟
الإجابة ليست بسيطة، لأن اختزال التجربة في ثنائية “متواطئ أو ضحية” قد لا يفي بتعقيد المشهد.
التنافر المعرفي وغريزة البقاء
من زاوية نفسية، يرى عبد الناصر الجندي، المتخصص في الصحة النفسية، أن التحولات السياسية العميقة تفعّل ما يُعرف بالتنافر المعرفي، حيث يسعى الفرد إلى إعادة صياغة مواقفه بما ينسجم مع الواقع الجديد، لتجنب التوتر الداخلي أو فقدان المكانة الاجتماعية.
ويشير الجندي إلى أن المجتمعات التي عاشت طويلًا تحت أنظمة قمعية تطور آليات دفاع نفسية، يصبح فيها التكيف جزءًا من استراتيجية البقاء. هذا لا يعني بالضرورة غياب القيم، لكنه يضع التحولات في سياقها الإنساني المعقد.
بين الانتهازية والتأثير البنيوي
أما الباحث في علم الاجتماع الدكتور طلال عبد المعطي المصطفى، فيربط الظاهرة ببنية النظام السلطوي ذاته، حيث يُعاد تشكيل الولاءات وفقًا لموقع القوة. ويصنّف المصطفى دوافع التحول بين البحث عن الأمان، والرغبة في الحفاظ على المكانة، والتأثر بالتيار السائد، وأحيانًا السعي لمكاسب شخصية.
لكنه يحذر في الوقت نفسه من التعميم، معتبرًا أن الحكم على كل حالة يتطلب تفكيك السياق الفردي، خاصة في مجتمع تعرض لاستقطاب حاد لسنوات طويلة.
اختبار حقيقي للصحافة
أما الكاتب والصحفي جورج كدر فيضع النقاط على الحروف، مؤكدًا أن دور الصحفي الحقيقي يتمثل في صيد الأخطاء، وليس في كونه داعمًا للسلطة أو مروجًا لأيديولوجياتها، سواء كانت هذه السلطة قديمة أم جديدة ويرى أن المرحلة الانتقالية تمثل اختبارًا لاستقلالية الإعلام، لأن إغراء “الدفاع عن العهد الجديد” قد يعيد إنتاج منطق المرحلة السابقة، وإن بشعارات مختلفة.
فإذا كان التخوين سمة بارزة في الخطاب القديم، فإن إعادة استخدامه ضد منتقدي السلطة الجديدة قد يشير إلى أن الثقافة السياسية لم تتغير بالقدر الكافي.
اتهامات متبادلة ومشهد رمادي
من جهتها، ترى مزن مرشد، رئيسة رابطة الصحفيين السوريين الأحرار، أن بعض التحولات لا يمكن فصلها عن المصالح الشخصية، مشيرة إلى حالات لصحفيين غيّروا خطابهم بما يتناسب مع ظروف إقامتهم أو أوضاعهم القانونية خارج البلاد.
لكنها تلفت أيضًا إلى ظاهرة أخرى لا تقل خطورة، تتمثل في “مكوعين جدد”، على حد وصفها، يدافعون عن أي قرار للسلطة الانتقالية ويربطون النقد بالخيانة أو العمالة، وهو ما يعيد، برأيها، إنتاج مناخ الإقصاء ذاته.
بين هذين الموقفين، يبدو المشهد أكثر رمادية مما تسمح به التصنيفات السريعة.
هل المشكلة في الأفراد أم في الثقافة السياسية؟
السؤال الذي يتكرر في النقاشات العامة ليس فقط من غيّر موقفه، بل لماذا يتكرر هذا النمط مع كل تحول سياسي؟
في المجتمعات الخارجة من أنظمة شمولية، غالبًا ما يستمر منطق “الاصطفاف” لأن المؤسسات الضامنة للتعددية لم تترسخ بعد. يتغير رأس السلطة، لكن أنماط التفكير قد تحتاج وقتًا أطول للتحول.
من هنا، قد لا تكون الظاهرة مجرد مسألة أخلاقية فردية، بل انعكاسًا لثقافة سياسية تشكلت تحت ضغط الخوف والاستقطاب.
العدالة الانتقالية… والمعيار الغائب
يبقى ملف المساءلة مفتوحًا:
كيف يمكن التعامل مع إرث الإعلام السابق دون الوقوع في محاكمات شعبية أو تبرئة جماعية؟
هل يجب وضع معايير واضحة تفرق بين من مارس التحريض والتضليل المتعمد، ومن عمل في هامش ضيق فرضته بيئة مغلقة؟
وهل يمكن بناء إعلام مستقل دون معالجة هذا الإرث بوضوح وشفافية؟
حتى الآن، لا توجد آلية واضحة للإجابة عن هذه الأسئلة، ما يجعل النقاش مستمرًا في المجال العام.
ما الذي يكشفه الجدل؟
بعد عام على السقوط، تبدو مسألة تحولات الخطاب مرآة أوسع لمسار الانتقال نفسه.
فإذا تمكنت المرحلة الجديدة من ترسيخ حق النقد دون تخوين، فقد يكون ذلك مؤشرًا على تحول ثقافي حقيقي. أما إذا استمرت حساسية النقد ووصمه، فقد يعني ذلك أن التغيير السياسي لم يُترجم بعد إلى تغيير في قواعد اللعبة العامة.
بين مراجعات صادقة، وتكيفات حذرة، وحسابات شخصية، يبقى المشهد مفتوحًا على احتمالات متعددة. لكن ما هو مؤكد أن المجتمع السوري، الذي اختبر أقصى درجات الاستقطاب، يراقب اليوم بعين أكثر نقدًا من أي وقت مضى.
والسؤال الأهم لم يعد من غيّر موقفه، بل:
هل ستنجح سوريا في بناء فضاء عام يسمح بتغير المواقف دون أن يتحول ذلك إلى سلاح للتشكيك الدائم، أو إلى وسيلة لتكرار الاصطفاف القديم بأسماء جديدة؟
محمد مصطفى عيد – صحفي سوري





