الصحفي : محمد رائد كعكة
« بين رواتب لا تكفي لأيام، وفواتير تُحسب كأن البلاد تعيش ازدهارًا اقتصاديًا، يدفع السوريون ثمن قرار لا يراعي واقعهم ولا طاقتهم على الاحتمال »
ليس رفع أسعار الكهرباء في سوريا مجرّد قرار اقتصادي عابر، بل هو إعلان صريح عن انفصالٍ كامل بين صانع القرار وواقع الناس. فحين تتحول فاتورة الكهرباء إلى عبء يوازي راتب الموظف الشهري، أو يتجاوزه أحيانًا، فنحن لا نكون أمام “إصلاح دعم” أو “إعادة هيكلة تعرفة”، بل أمام سياسة تدفع المجتمع دفعًا نحو مزيد من الإفقار.
راتب لا يكفي… وفاتورة لا تُحتمل
المفارقة الصارخة أن الحكومة رفعت أسعار الكهرباء في وقتٍ لم تشهد فيه الرواتب أي تحسّن حقيقي يوازي هذا الرفع. متوسط الدخل الشهري في سوريا لم يعد قادرًا على تغطية أساسيات العيش: غذاء، نقل، دواء، إيجار، ومع ذلك أضيفت إليه فواتير كهرباء تتضخم بشكل غير منطقي.
النتيجة الطبيعية لذلك هي أن المواطن بات مطالبًا بالاختيار بين الكهرباء وبقية احتياجاته الأساسية، وهو خيار قاسٍ لا يجب أن يُفرض في أي دولة تزعم أنها “تحمي الفئات الضعيفة”.
الليرة السورية: أرقام على ورق بلا قوة شرائية
تسعير الكهرباء اليوم يتجاهل حقيقة أساسية: الليرة السورية فقدت قدرتها الشرائية. لا معنى للأرقام الاسمية للفواتير حين يكون الدخل نفسه بلا قيمة حقيقية.
فالكهرباء تُسعَّر بعقلية “التكلفة” أو “التحرير التدريجي”، بينما الأجور ما زالت تُدار بعقلية ما قبل الانهيار الاقتصادي.
هذا الخلل البنيوي يجعل أي مقارنة رسمية بين “سعر الكيلوواط” و”دعم الدولة” مقارنة مضللة، لأن المشكلة ليست في السعر وحده، بل في الفجوة الهائلة بين الدخل وتكاليف المعيشة.
أزمة إدارة قبل أن تكون أزمة طاقة
لا يمكن فصل هذا القرار عن طبيعة الإدارة الحالية لقطاع الطاقة. فوزير الطاقة الحالي، مهما كانت نواياه، لا يمتلك الخبرة المطلوبة لإدارة وزارة بحجم وتعقيد وزارة الطاقة في بلد مثل سوريا، بلد يعاني من:
بنية تحتية مدمّرة
عجز إنتاجي مزمن
عقوبات وضغوط اقتصادية
فقر واسع النطاق
إدارة حكومة محلية أو كيان محدود جغرافيًا — مثل إدارة إدلب سابقًا — تقوم على منطق مختلف تمامًا عن إدارة دولة بحجم سوريا، بتعقيداتها السكانية والاقتصادية والخدمية.
ما قد يُعتبر “قرارًا ممكنًا” في نطاق ضيق، يتحول إلى كارثة اجتماعية حين يُطبّق على بلد بأكمله.
المشكلة هنا ليست شخصية، بل مشكلة كفاءة ومنهج: إدارة الطاقة ليست جداول تسعير فقط، بل سياسات اجتماعية واقتصادية مترابطة.
مقارنة مع دول الجوار: الخدمة مقابل السعر
عند مقارنة أسعار الكهرباء في سوريا مع دول الجوار، تظهر مفارقة أخرى:
في دول مجاورة، قد تكون الأسعار اسمياً أعلى،
لكن الرواتب هناك أعلى،
والخدمة أكثر استقرارًا،
وساعات التغذية أطول،
والدخل قادر على استيعاب الفاتورة.
أما في سوريا، فيُطلب من المواطن دفع فاتورة مرتفعة مقابل كهرباء شحيحة، ساعاتها قليلة، وجودتها متدنية.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: لماذا ندفع كدول مستقرة، ونُخدم كدولة منهارة؟
الخلاصة: قرار بلا عدالة اجتماعية
رفع أسعار الكهرباء بهذا الشكل، وبهذا التوقيت، وبهذه العقلية، لا يمكن تبريره اقتصاديًا ولا اجتماعيًا. هو قرار يفتقد:
العدالة الاجتماعية
الواقعية الاقتصادية
وفهم الحد الأدنى لمعاناة السوريين
إذا كانت الدولة عاجزة عن تحسين الخدمة، فعلى الأقل لا تعاقب المواطن على هذا العجز.
فالكهرباء ليست رفاهية، بل حق أساسي، وتسعيرها يجب أن يبدأ من دخل الناس، لا من دفاتر الوزارة.
