Site icon NL NEWS Agency

القاهرة تقود تحركًا عربيًا لإحياء فكرة القوة المشتركة: هل تنجح هذه المرة؟

الصحفي محمد رائد كعكة

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، حيث تتصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط وتتزايد المخاوف من اتساع رقعة الصراع، تعود إلى الواجهة مجددًا فكرة طالما طُرحت في الخطاب السياسي العربي دون أن تتحول إلى واقع ملموس: إنشاء قوة عربية مشتركة قادرة على حماية الأمن القومي العربي ومواجهة التهديدات المتزايدة في المنطقة.

التحرك الذي تقوده القاهرة في الآونة الأخيرة يعكس إدراكًا متزايدًا لدى بعض العواصم العربية بأن المرحلة الراهنة لم تعد تحتمل استمرار حالة التشتت الأمني والسياسي التي طبعت النظام الإقليمي العربي لسنوات طويلة. فالتحديات التي تواجه المنطقة لم تعد مقتصرة على دولة بعينها، بل باتت تمس منظومة الأمن العربي بأكملها، ما يجعل فكرة العمل العسكري المشترك تبدو، نظريًا على الأقل، خيارًا منطقيًا أكثر من أي وقت مضى.

تحرك دبلوماسي مصري في لحظة إقليمية حرجة

في هذا السياق، شهدت الأيام الأخيرة سلسلة من الاتصالات الدبلوماسية التي قادتها القاهرة مع عدد من العواصم العربية بهدف تنسيق المواقف إزاء التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة.

فقد بحث وزير الخارجية المصري الدكتور بدر عبد العاطي مع نظيره الأردني أيمن الصفدي التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط، مع التركيز على ضرورة بلورة رؤية عربية واضحة لترتيبات الأمن الإقليمي في مرحلة ما بعد الصراعات الحالية. وخلال هذه المشاورات، شددت القاهرة على أن اللحظة الراهنة قد تكون مناسبة لإعادة إحياء آليات العمل العربي المشترك، وعلى رأسها فكرة إنشاء قوة عربية مشتركة قادرة على التعامل مع الأزمات والتهديدات التي تواجه الدول العربية.

رسائل طمأنة إلى دول الخليج

لم تقتصر التحركات المصرية على الأردن، بل امتدت إلى دول الخليج العربي، حيث أجرت القاهرة اتصالات مع عدد من وزراء الخارجية الخليجيين، من بينهم وزراء خارجية الكويت والبحرين، في إطار مساعٍ لتعزيز التنسيق العربي في مواجهة التطورات الأمنية المتسارعة.

وخلال هذه الاتصالات، أكدت مصر تضامنها الكامل مع أمن واستقرار دول الخليج، معتبرة أن أي تهديد يستهدف دولة عربية لا يمكن فصله عن الأمن القومي العربي ككل. كما شددت القاهرة على أهمية اتخاذ خطوات جماعية لاحتواء التصعيد العسكري في المنطقة ومنع انزلاقها إلى حالة من الفوضى الإقليمية الواسعة.

جولة خليجية ورسالة سياسية واضحة

في سياق التحرك نفسه، توجه وزير الخارجية المصري إلى الدوحة في مستهل جولة خليجية تهدف إلى تعزيز المشاورات مع الدول العربية بشأن التطورات الإقليمية الراهنة. وتحمل هذه الجولة رسالة سياسية واضحة مفادها أن مواجهة التحديات الأمنية المتزايدة في المنطقة تتطلب مستوى أعلى من التنسيق العربي، وربما أيضًا إعادة التفكير في آليات التعاون الدفاعي المشترك.

فكرة قديمة في سياق جديد

ليست فكرة القوة العربية المشتركة وليدة اللحظة. فقد طُرحت مرارًا خلال العقود الماضية، خاصة عقب الأزمات الكبرى التي شهدتها المنطقة، لكنها ظلت حبيسة الخلافات السياسية وتباين الأولويات بين الدول العربية.

غير أن التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط اليوم، إلى جانب تصاعد التدخلات الدولية والإقليمية في شؤون المنطقة، أعادت إحياء النقاش حول الحاجة إلى إطار أمني عربي أكثر تماسكًا وقدرة على التحرك.

هل تغيّر الظرف العربي؟

مع ذلك، يبقى السؤال الجوهري: هل تغيرت الظروف السياسية بما يكفي لتحويل هذه الفكرة من مشروع نظري إلى واقع عملي؟

التجارب السابقة تشير إلى أن الخلافات البينية العربية، وتباين الحسابات السياسية والاستراتيجية، كانت دائمًا العائق الأكبر أمام أي مشروع عسكري عربي مشترك. ولذلك فإن نجاح المبادرة هذه المرة لن يتوقف فقط على حجم التهديدات التي تواجه المنطقة، بل على مدى استعداد الدول العربية لتجاوز خلافاتها وبناء حد أدنى من التوافق حول مفهوم الأمن الجماعي.

في نهاية المطاف، قد تكون اللحظة الحالية فرصة حقيقية لإعادة التفكير في بنية الأمن الإقليمي العربي. لكن تحويل هذه الفرصة إلى مشروع فعلي سيظل مرهونًا بإرادة سياسية عربية قادرة على الانتقال من منطق ردود الفعل المؤقتة إلى بناء منظومة تعاون استراتيجي طويلة الأمد.

كاتب

Exit mobile version