الصحفي : محمد رائد كعكة
عندما فُتحت بوابات السدود التركية الواحدة تلو الأخرى، لم تكن المياه وحدها هي التي اندفعت نحو الأراضي السورية، بل اندفعت معها حقيقة سياسية طالما حاولت المنطقة تجاهلها: في الشرق الأوسط، من يسيطر على المنابع يمتلك نفوذاً يتجاوز حدود الجغرافيا.
الصور القادمة من ضفاف الفرات في سوريا لم تكن مجرد مشاهد لارتفاع منسوب المياه أو غرق أراضٍ زراعية ومخيمات للنازحين، بل كانت تذكيراً صارخاً بحجم الاختلال القائم في معادلة إدارة الموارد المائية بين دول المنبع ودول المصب. ففي لحظة واحدة، وبقرار إداري داخل سد تركي، يمكن أن تتغير حياة ملايين السوريين الذين يعتمدون على النهر للشرب والزراعة وتوليد الطاقة.
لقد تحولت المياه خلال العقود الأخيرة من مورد طبيعي إلى أداة استراتيجية. فالدول لم تعد تتنافس فقط على النفط والغاز والممرات التجارية، بل أصبحت الأنهار نفسها جزءاً من حسابات النفوذ والأمن القومي. والفرات يمثل النموذج الأكثر وضوحاً لهذه الحقيقة، إذ بات مصير النهر مرتبطاً بقرارات سياسية بقدر ارتباطه بالعوامل الطبيعية والمناخية.
تركيا تنظر إلى السدود العملاقة التي شيدتها على الفرات باعتبارها مشاريع تنموية وطنية تهدف إلى دعم الاقتصاد وتوسيع الرقعة الزراعية وتعزيز إنتاج الطاقة. ومن حق أي دولة أن تستثمر مواردها الطبيعية لتحقيق التنمية. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول إدارة النهر إلى ملف أحادي الجانب، وعندما تصبح الدول الواقعة أسفل المجرى رهينة للقرارات المتخذة خلف جدران السدود.
في المقابل، تجد سوريا نفسها اليوم أمام واقع مائي شديد الهشاشة. سنوات الحرب الطويلة أضعفت البنية التحتية، واستنزفت القدرات الفنية والمؤسساتية اللازمة للتعامل مع التحديات الكبرى. ومع كل تغير مفاجئ في تدفقات النهر، سواء كان نقصاً حاداً أو زيادة مفاجئة، تتكشف هشاشة المنظومة المائية السورية بصورة أكثر وضوحاً.
والمفارقة أن الخطر يأتي من الاتجاهين معاً. فعندما تنخفض حصة المياه تتضرر الزراعة وتتراجع القدرة على توليد الكهرباء، وعندما ترتفع التدفقات بصورة مفاجئة تظهر مخاطر الفيضانات والانجرافات وتضرر التجمعات السكانية. وبين الجفاف والفيضان يبقى المواطن السوري الحلقة الأضعف في معادلة لا يملك السيطرة عليها.
إن ما جرى مؤخراً لا يجب النظر إليه باعتباره حادثة فنية عابرة مرتبطة بأمطار غزيرة أو إجراءات تشغيلية مؤقتة، بل باعتباره جرس إنذار جديداً بشأن مستقبل الأمن المائي في المنطقة. فالتغير المناخي يضغط على الموارد المائية، والنمو السكاني يزيد الطلب عليها، فيما لا تزال الاتفاقيات الناظمة لتقاسم مياه الأنهار المشتركة عاجزة عن مواكبة التحديات الجديدة.
الواقع يقول إن الفرات لم يعد مجرد نهر يعبر الحدود، بل أصبح خط تماس سياسي واقتصادي واستراتيجي. وكل أزمة جديدة تؤكد أن غياب التفاهمات المستقرة بين دول الحوض سيبقي ملايين البشر تحت رحمة القرارات الأحادية والتقلبات المناخية.
إن السؤال الحقيقي اليوم ليس لماذا ارتفع منسوب الفرات هذا الأسبوع أو ذاك، بل كيف يمكن بناء نظام إقليمي يضمن أن تبقى المياه وسيلة للحياة لا أداة للضغط والنفوذ. لأن الأنهار التي صنعت الحضارات قادرة أيضاً على صناعة الأزمات عندما تتحول إلى أوراق في لعبة السياسة.
فالفرات الذي منح المنطقة الحياة لآلاف السنين، يستحق أن يكون جسراً للتعاون بين الشعوب، لا ساحة جديدة للصراع على النفوذ والموارد.
