الصحفي : محمد رائد كعكة
تُثار في الأوساط العامة تساؤلات عديدة حول مدلولات الصور والألوان المستخدمة في تصميم العملة السورية الجديدة. وبعيداً عن الاستهزاء أو النقد الانفعالي—ومع الإدراك بأن أي تصميم نقدي في هذه المرحلة الانتقالية سيخضع حتماً لموجة من الاعتراض مهما كانت طبيعته—برزت الحاجة إلى قراءة أكثر هدوءاً تستند إلى خلفيات علمية ومهنية معتمدة في مجال تصميم العملات.
تشير الدراسات المتخصصة إلى أن تصميم الفئات النقدية الحديثة لا يتم بشكل اعتباطي، بل يقوم على نظريات راسخة في الاقتصاد السياسي، وسيكولوجيا النقد، وأمن الطباعة النقدية، وهي نظريات تعتمدها الدول، ولا سيما تلك التي تمر بمراحل انتقالية وتسعى إلى إعادة بناء الثقة الاقتصادية والاجتماعية.
أولاً: الحياد الرمزي (Symbolic Neutrality)
يؤكد عالم الاقتصاد السياسي إيريك هيلينر أن الدول الخارجة من أزمات عميقة تميل إلى تجنب إدراج:
الشخصيات السياسية أو العسكرية
الرموز التاريخية الخلافية
المواقع ذات الحمولة الجغرافية أو الأيديولوجية
ذلك أن هذه الرموز، مهما بلغت قيمتها لدى فئة معينة، قد تُفسَّر بوصفها إقصائية أو مثيرة للانقسام.
وعوضاً عن ذلك، يُعتمد على عناصر تُصنَّف ضمن ما يُعرف بـ “القواسم المشتركة العظمى”، مثل:
البيئة الطبيعية
النباتات والمحاصيل الزراعية
الرموز الإنتاجية العامة
ويُنظر إلى اختيار رموز مثل القمح والقطن والزيتون باعتباره تطبيقاً عملياً لهذا المبدأ، إذ تمثل عناصر:
مشتركة بين مختلف المناطق
خالية من الدلالات السياسية المباشرة
مرتبطة بالذاكرة الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع
وقد لجأت دول عديدة خارجة من النزاعات—كرواندا والبوسنة—إلى اعتماد المناظر الطبيعية والرموز الإنتاجية بديلاً عن الرموز السياسية المثيرة للجدل.
ثانياً: الوظيفية البصرية (Visual Functionalism)
وفق معايير الأكاديمية الدولية للنقد (IACA)، لم تعد الألوان في العملات الحديثة خياراً جمالياً فحسب، بل أداة وظيفية أساسية تهدف إلى:
تسهيل التداول اليومي
تقليل الأخطاء البشرية في العدّ والدفع
تسريع التمييز بين الفئات النقدية
في البيئات التجارية المزدحمة، يُعد التمييز السريع للفئة النقدية عاملاً حاسماً، حيث تؤدي الألوان المتباينة بحدة دوراً مركزياً في منع الخلط بين الفئات المتقاربة في الحجم.
ثالثاً: الأمن البصري ومكافحة التزوير (Anti-Counterfeiting)
تشير خبرات شركة De La Rue، إلى جانب دراسات البنك المركزي الأوروبي، إلى أن الألوان المشبعة والمتعددة تشكل خط الدفاع الأول في مواجهة التزوير، وذلك عبر:
تعقيد عمليات المحاكاة باستخدام الطابعات والماسحات العادية
إتاحة دمج أحبار متغيرة اللون وعلامات مائية ديناميكية
تمكين المتعامل العادي من اكتشاف العملة المزورة بالعين المجردة
رابعاً: شمولية التصميم (Inclusive Design)
تؤكد مدارس التصميم النقدي الحديثة على ضرورة أن تكون العملة:
سهلة التمييز لضعاف البصر
واضحة لكبار السن
قابلة للاستخدام السريع في المعاملات اليومية
وقد أثبتت التجارب أن الألوان الباهتة أو المتقاربة تؤدي إلى زيادة نسبة الخطأ والارتباك، في حين تسهم الألوان القوية والمتباينة في تعزيز السلاسة والوضوح.
خامساً: علم النفس النقدي (Psychology of Money)
في سياقات ما بعد الأزمات، تحمل الألوان في النقد رسائل نفسية غير مباشرة، من أبرزها:
الإيحاء بالتجديد وبداية مرحلة مختلفة عن الفترات السابقة
تعزيز القيمة الإدراكية للعملة عبر الإيحاء بالنظافة والحداثة والتنظيم
وتُظهر دراسات سلوك المستهلك أن الثقة العامة بالعملة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمظهرها البصري ومعايير إصدارها.
سادساً: النمو العضوي وبناء الثقة المؤسساتية (Organic Recovery)
يُفسَّر إدراج رموز زراعية وإنتاجية—كالقمح والقطن والزيتون—بوصفه رسالة استراتيجية تؤكد أولوية:
الأمن الغذائي
الإنتاج المحلي
التعافي الاقتصادي القائم على القطاعات الأساسية
كما يُنظر إلى رمز خزنة بيت مال المسلمين بوصفه استدعاءً لتاريخ المؤسسة المالية بوصفها إطاراً للحفظ والأمانة، وليس بوصفه رمزاً سياسياً مباشراً، وهو ما ينسجم مع مفهوم بناء الثقة المؤسساتية في النظام المالي.
مقارنات دولية: الفلسفة نفسها بألوان مختلفة
تُظهر مقارنة العملة السورية الجديدة بعملات مثل:
الفرنك السويسري
الدولار الأسترالي
اليورو
اعتماد المدرسة الحديثة نفسها في تصميم النقد، والتي تقوم على الألوان الحيوية والتباين العالي بوصفهما عنصرين أساسيين في الأمان والكفاءة وسرعة التداول، بدلاً من الاعتماد على الألوان الداكنة التقليدية.
خلاصة
تقدم هذه القراءة إطاراً تفسيرياً يستند إلى معايير علمية ومهنية معتمدة عالمياً في تصميم العملات، دون أن تنفي مشروعية الآراء النقدية أو التحفظات المختلفة. فالاختلاف في التقييم أمر طبيعي، غير أن الإحاطة بالخلفيات النظرية والتقنية تسهم في ترسيخ نقاش أكثر عمقاً وتوازناً حول العملة الجديدة وتوقيت إصدارها.
