Site icon NL NEWS Agency

العدالة المؤجلة في المرسوم 66: كيف نعيد الحق دون هدم المستقبل؟

الصحفي : محمد رائد كعكة

بعد أكثر من عقد على صدور المرسوم 66، لا يزال الجدل حوله حاضراً بقوة في النقاش السوري. فبالنسبة للسلطات التي أقرّته، كان المشروع جزءاً من رؤية لإعادة تنظيم مناطق السكن العشوائي وتطوير النسيج العمراني للعاصمة دمشق. أما بالنسبة لآلاف المتضررين والحقوقيين، فقد تحول إلى أحد أكثر الملفات ارتباطاً بقضايا الملكية والتهجير والعدالة الانتقالية.

ومع التحولات السياسية التي شهدتها سوريا خلال السنوات الأخيرة، عاد هذا الملف إلى الواجهة مجدداً، ليس بوصفه قضية عقارية فحسب، بل باعتباره اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على معالجة مظالم الماضي بطريقة تحفظ الحقوق وتجنب البلاد الدخول في نزاعات جديدة.

لماذا لا يزال المرسوم 66 محل نزاع؟

تكمن الإشكالية الأساسية في أن النقاش لم يعد يدور حول مشروع عمراني فقط، بل حول الكيفية التي تم بها تطبيقه والنتائج التي ترتبت عليه.

فالكثير من المتضررين يرون أن إجراءات التنظيم أفضت إلى خسارة جزء كبير من حقوقهم العقارية، سواء بسبب آليات التقييم، أو تعقيدات إثبات الملكية، أو الظروف التي منعت عدداً كبيراً من المالكين والمهجرين من متابعة ملفاتهم والدفاع عن حقوقهم. كما تثار تساؤلات جدية حول عدالة التعويضات، ومدى قدرة أصحاب الحقوق الأصليين على الاستفادة من المشاريع التي أقيمت على أراضيهم.

وفي المقابل، فإن تجاهل هذه الاعتراضات أو التعامل معها باعتبارها مجرد خلافات قانونية عادية لا ينسجم مع حجم الآثار الاجتماعية والاقتصادية التي خلفها المشروع على آلاف الأسر.

هل يكفي إسقاط المرسوم؟

قد يبدو إلغاء المرسوم مطلباً بديهياً لدى شريحة واسعة من المتضررين، لكنه في الواقع لا يمثل سوى جزء من الحل.

فالسنوات الماضية أفرزت واقعاً جديداً على الأرض؛ هناك بنى تحتية قائمة، ومشاريع استثمارية أُنجزت، وعقود قانونية أبرمت، وحقوق متشابكة بين أطراف متعددة. لذلك فإن الاكتفاء بإلغاء النص القانوني دون معالجة تبعاته قد يخلق موجة جديدة من النزاعات ويضيف تعقيدات أخرى إلى ملف معقد أساساً.

العدالة لا تتحقق بمجرد إلغاء قانون، بل عبر معالجة الآثار التي ترتبت عليه، ورد الحقوق لأصحابها وفق آليات واضحة وقابلة للتنفيذ.

من الحلول الإسعافية إلى الحلول المستدامة

إذا كان الهدف هو الوصول إلى تسوية عادلة ودائمة، فإن المطلوب يتجاوز القرارات السياسية السريعة نحو بناء إطار مؤسساتي متكامل يقوم على عدة أسس:

أولاً: مراجعة مستقلة وشاملة للملف

تشكيل هيئة وطنية مستقلة تضم قضاة وخبراء عقاريين وممثلين عن المتضررين، تتولى مراجعة جميع القرارات والإجراءات المتعلقة بالمناطق المشمولة بالمرسوم، والتحقق من سلامة عمليات التقييم والتعويض ونقل الملكية.

ثانياً: تدقيق الملكيات والتصرفات العقارية

إعادة النظر في حالات البيع أو التنازل التي أُنجزت في ظروف استثنائية، والتأكد من عدم وجود إكراه أو استغلال أو حرمان لأصحاب الحقوق الأصليين من فرص الاعتراض والمراجعة.

ثالثاً: تعويض عادل وشفاف

في الحالات التي يتعذر فيها إعادة العقار أو الأرض إلى أصحابها، يجب اعتماد تعويضات تستند إلى القيمة السوقية العادلة، وليس إلى تقديرات إدارية أو مالية لا تعكس القيمة الحقيقية للأصول.

رابعاً: إنشاء صندوق وطني لجبر الضرر

يهدف إلى تمويل التعويضات وتسوية النزاعات العقارية، ويمكن أن يعتمد على جزء من عوائد المشاريع الاستثمارية القائمة، إضافة إلى موارد الدولة وأي برامج دعم أو إعادة إعمار مستقبلية.

خامساً: حماية حق العودة والاستقرار

ينبغي أن يكون حق السكان الأصليين في العودة أو الحصول على بدائل سكنية مناسبة جزءاً أساسياً من أي معالجة مستقبلية، بما يضمن الحفاظ على النسيج الاجتماعي ومنع تكريس آثار النزوح والتهجير.

سادساً: إصلاح التشريعات العمرانية

فالمشكلة لا تتعلق بالمرسوم 66 وحده، بل بالحاجة إلى منظومة قانونية جديدة تضمن حماية الملكية الخاصة، والشفافية في مشاريع التنظيم، وحق الاعتراض والتقاضي الفعال لجميع المتضررين.

العدالة والتنمية ليستا خيارين متعارضين

ثمة تصور شائع يضع العدالة في مواجهة التنمية، وكأن إعادة الحقوق تعني بالضرورة تعطيل المشاريع العمرانية أو هدم ما تم بناؤه. لكن التجارب الدولية تثبت أن التنمية المستدامة لا تقوم على تجاهل حقوق الناس، بل على تعزيزها.

فالمدن الحديثة لا تُقاس بارتفاع أبراجها فقط، بل بقدرتها على تحقيق التوازن بين الاستثمار والعدالة، وبين التطوير العمراني وحقوق السكان الأصليين. وأي مشروع يفقد هذا التوازن يظل معرضاً لفقدان شرعيته الاجتماعية مهما بلغت قيمته الاقتصادية.

اليوم، لم يعد السؤال ما إذا كان المرسوم 66 قد حقق أهدافه العمرانية أم لا، بل كيف يمكن معالجة ما نتج عنه من نزاعات ومظالم بطريقة قانونية وعادلة. فاستعادة الحقوق لا تعني هدم المستقبل، كما أن بناء المستقبل لا يمكن أن يقوم على تجاهل حقوق الناس. وبين هذين المسارين تكمن المهمة الأصعب: بناء نموذج جديد يعيد الثقة بالقانون، ويؤسس لتنمية لا يشعر أصحاب الأرض بأنها قامت على حسابهم، بل بمشاركتهم واستفادتهم منها.

كاتب

Exit mobile version