
القاهرة – داليا عطية
في ليلة مباركة وصفها الله بأنها خير من ألف شهر، بدا مركز المنارة للمؤتمرات الدولية في القاهرة وكأنه مساحة يتقاطع فيها الإيمان مع الذاكرة الثقافية للأمة.
تحت أضواء هادئة، وصوت تلاوات تتردد بخشوع، شهدت جمهورية مصر العربية بحضور الرئيس عبدالفتاح السيسي احتفال وزارة الأوقاف بليلة القدر، في أمسية امتزجت فيها روحانية الشهر الفضيل برسائل سياسية وإنسانية تتجاوز حدود المكان.
بدأت الأمسية بآيات من القرآن الكريم، قبل أن تتوالى فقرات فنية وثقافية جسدت الإرث المصري العريق في فن التلاوة والإنشاد الديني.
وبين مشاهد الأذان المصوّر من عواصم العالم، وعروض توثق تاريخ المقرئين المصريين، بدا واضحًا أن الاحتفال لم يكن مجرد مناسبة دينية، بل محاولة واعية لإعادة تقديم القوة الناعمة المصرية التي طالما شكّلت أحد أبرز روافد التأثير الثقافي في العالم الإسلامي.
من قلب هذه الأجواء، أطلق الرئيس السيسي رسالة بدت موجهة إلى الداخل والخارج معًا، حين قال:” نبعث اليوم رسالة سلام من أرض السلام في ليلة السلام”، في إشارة إلى الدور الذي تحاول القاهرة ترسيخه كصوت يدعو إلى التهدئة في منطقة مثقلة بالصراعات.
وأضاف الرئيس أن “السلام هو جوهر الوجود ومبتغى العقلاء، وهو القيمة التي تصون الأرواح وتحفظ كرامة الإنسان”، مؤكدًا ضرورة وقف التصعيد والانخراط في مفاوضات جادة لإنهاء الصراعات الإقليمية.
لكن الرسائل السياسية لم تحجب البعد الإنساني للاحتفال؛ لأن الرئيس السيسي حرص على تكريم الفائزين في مسابقة “دولة التلاوة” والمسابقات الدولية للقرآن الكريم، في لحظة بدت أقرب إلى احتفاء جماعي بتراث روحي حافظت مصر على نقله للأجيال عبر مدارس التلاوة العريقة.
وبدت قوة تراث مصر الديني حين توقف الرئيس السيسي عند هذه التجربة قائلًا:” مصر كانت وستظل المورد العذب الذي نهل منه العالم أصول التلاوة والترتيل”.
وفي سياق حديثه عن المستقبل، دعا الرئيس إلى توسيع التجربة الثقافية والمعرفية قائلًا إن ما تحقق في “دولة التلاوة” يمكن أن يمهد لولادة مبادرات أخرى مثل دولة العلم ودولة الإبداع والاختراع، في إشارة إلى رؤية أوسع لربط الهوية الدينية بالنهضة العلمية.
وفي ليلة يُنظر إليها في الوجدان الإسلامي باعتبارها لحظة صفاء روحي نادرة، بدا الاحتفال وكأنه يختصر معادلة مصرية قديمة: دولة تستحضر تاريخها الديني والثقافي العميق، بينما تحاول في الوقت ذاته أن تقدم نفسها صوتًا للعقل والدعوة إلى السلام في منطقة مضطربة.





