Site icon NL NEWS Agency

الصناعة لا تُقرَّر… بل تُولَد

الصحفي : محمد رائد كعكة

لن تقوم صناعة في بلد تُدار قراراته بالخوف، ولا يُبنى اقتصاد حين تتحكم به عقلية المنع لا عقلية الإنتاج. كل حديث عن مدن صناعية ومشاريع كبرى يصبح بلا قيمة عندما يكون القرار الصناعي مسلوبًا من أصحابه، ومصادرًا لصالح سلطة ترى في الصناعة خطرًا لا فرصة.

المشكلة في سورية لم تكن يومًا نقص مواقع أو أراضٍ أو أموال، بل غياب الإرادة السياسية لتحرير الصناعة. فالصناعة تعني استقلالًا اقتصاديًا، والاستقلال الاقتصادي يعني طبقة قادرة على قول «لا». ولهذا جرى التعامل معها كقطاع يجب ضبطه، لا تطويره؛ تطويعه، لا إطلاقه.

يمكن نقل العمال بالحافلات، ويمكن إنشاء مصانع بالإسمنت والحديد، لكن لا يمكن خلق صناعي بقرار. الصناعي نتاج بيئة حرة، تاريخ، سوق، وحق في المخاطرة. وحين تُزرع المصانع في غير تربتها، تكون النتيجة هياكل فارغة، وخسائر مموّهة، وفسادًا مُقنّعًا باسم التنمية.

في قلب هذه الجريمة الاقتصادية تقف حلب. ليست حلب «مدينة صناعية» بين مدن، بل كانت العمود الفقري للصناعة في سورية، وواحدة من أعمدة الصناعة في الشرق الأوسط. من نسيجها وصناعاتها الغذائية والهندسية، كانت تُغذّي الداخل وتُصدّر للخارج، وتنافس إقليميًا بلا رعاية رسمية، وبلا حماية سياسية، وبلا احتكار.

حلب صنعت صناعييها كما تصنع الأمم مدارسها. الحرفة فيها تُورَّث، والخبرة تتراكم، والسوق يُربّي أبناءه. ولهذا كانت المدينة عصيّة على التدجين. صناعتها مستقلة، ورأس مالها حر نسبيًا، وهذا بالضبط ما لم يُحتمل.

ما جرى لحلب لم يكن إهمالًا، بل تفكيكًا متعمدًا. سُحبت التراخيص، أُغلقت الأبواب، وُضعت العوائق، وحُشرت الصناعة خلف بوابات الفساد والسمسرة. فُرض على الصناعي أن يمر من مراكز النفوذ، وأن يدفع ثمن بقائه. وفي المقابل، جرى نفخ صناعات بديلة مصطنعة، لا تقوم على خبرة ولا على عمق، بل على قربها من القرار.

والنتيجة؟ خطوط تجميع هزيلة سُمّيت صناعة، ومشاريع وُلدت ميتة، واقتصاد بلا قيمة مضافة. فيما تُركت حلب، بكل عبقريتها الصناعية، تُقاوم وحدها، وتُثبت – رغم الخراب – أنها لم تمت.

اليوم، وبينما تُرمَّم في حلب منتجات معقّدة بأدوات بسيطة، يُطرح سؤال فاضح: ماذا لو تُركت هذه المدينة تعمل بحرية؟ ماذا لو أُقيمت فيها صناعات ثقيلة حقيقية؟ ماذا لو لم تُعامل كخطر سياسي؟

الصناعة لا تحتاج إلى وصاية، بل إلى رفع اليد عنها. إلى كسر الاحتكار، وفتح التراخيص، وإلغاء الانتقائية الجغرافية، وإيقاف سياسة خنق مدينة وإغراق أخرى. التنمية ليست توزيع صدقات، بل إطلاق طاقات.

لكل منطقة دورها، لكن العبث بالجغرافيا الاقتصادية جريمة. لا تُزرع المصانع حيث لا روح صناعية، ولا تُخنق المدن التي صنعت الاقتصاد فعلًا. هذا ليس تخطيطًا، بل تدميرًا ممنهجًا.

والحقيقة التي لا يريد أحد قولها بوضوح:

لا نهضة اقتصادية في سورية من دون حلب، ولا صناعة وطنية من دون صناعتها. لأن الصناعة في حلب ليست آلات يمكن نقلها، بل عقل جمعي لا يُستنسخ.

ومن يخاف من صناعة حرة، يخاف من بلد حر.

Exit mobile version