امستردام – نور الحمدان
تشهد هولندا تراجعاً لافتاً في معدلات الإنجاب، في ظل انخفاض عدد المواليد ووصول معدل الخصوبة إلى نحو 1.4 طفل لكل امرأة، وهو مستوى يقل بشكل واضح عن معدل الإحلال السكاني البالغ نحو 2.1 طفل لكل امرأة، اللازم تقريباً للحفاظ على استقرار عدد السكان من دون الاعتماد على الهجرة.
هذا التراجع يثير اهتمام الخبراء والسلطات الهولندية، خصوصاً أن استمرار انخفاض المواليد لسنوات طويلة قد يترك آثاراً واسعة على سوق العمل ونظام التقاعد والخدمات الاجتماعية، مع ارتفاع نسبة كبار السن مقابل تقلص أعداد الأجيال الشابة.
لماذا يؤجل الشباب تكوين أسرة؟
المفارقة أن انخفاض معدلات الإنجاب لا يعني بالضرورة أن الشباب الهولندي لم يعد يرغب في إنجاب الأطفال. فكثيرون ما زالوا يتطلعون إلى تكوين أسرة، لكن الظروف الاقتصادية والاجتماعية تجعل اتخاذ هذه الخطوة أكثر تعقيداً.
وتأتي أزمة السكن في مقدمة العقبات. فارتفاع أسعار المنازل والإيجارات، إلى جانب النقص في المساكن المناسبة، يجعل الوصول إلى الاستقرار السكني أمراً صعباً بالنسبة إلى شريحة واسعة من الشباب، وبالتالي يدفع بعضهم إلى تأجيل الزواج أو الإنجاب.
كما تلعب تكاليف المعيشة المرتفعة دوراً مهماً في هذا التردد، إذ تواجه الأسر الشابة نفقات متزايدة تشمل الغذاء والطاقة والخدمات ورعاية الأطفال، ما يجعل قرار توسيع الأسرة مرتبطاً بشكل أكبر بالقدرة المالية.
ويضاف إلى ذلك تأخر الاستقرار المهني، حيث يمضي كثير من الشباب سنوات أطول في الدراسة وبناء مسيرتهم المهنية قبل التفكير في تكوين أسرة. ونتيجة لذلك، يتأخر سن إنجاب الطفل الأول، وهو ما قد ينعكس في النهاية على إجمالي عدد الأطفال داخل الأسرة.
ولا تقتصر الأسباب على الجانب الاقتصادي، إذ يدخل القلق بشأن المستقبل أيضاً في حسابات بعض الشباب، سواء بسبب التغير المناخي أو حالة عدم اليقين الاقتصادي والتوترات السياسية والدولية.
ماذا يعني ذلك لمستقبل هولندا؟
إذا استمر انخفاض معدلات الإنجاب على المدى الطويل، فقد تجد هولندا نفسها أمام تغير ديموغرافي واضح، يتمثل في زيادة نسبة كبار السن مقارنة بالسكان في سن العمل.
وقد يؤدي ذلك إلى نقص في الأيدي العاملة في عدد من القطاعات الحيوية، وعلى رأسها الرعاية الصحية والتعليم، في الوقت الذي يرتفع فيه الطلب على الخدمات المرتبطة بشيخوخة السكان.
كما يمكن أن يزداد الضغط على نظام التقاعد والخدمات الاجتماعية، مع وجود عدد أقل من العاملين لتمويل أنظمة يعتمد عليها عدد متزايد من كبار السن.
هل تستطيع الحكومة تغيير الاتجاه؟
بدلاً من التدخل المباشر في قرارات المواطنين بشأن الإنجاب، تركز السياسات الحكومية بشكل أكبر على تحسين الظروف التي تساعد الأسر والشباب على بناء حياة مستقرة.
وتشمل الجهود زيادة المعروض من المساكن، وتحسين إمكانية الحصول على خدمات رعاية الأطفال، إلى جانب مساعدة الآباء والأمهات على تحقيق توازن أفضل بين العمل والحياة العائلية.
ويرى مراقبون أن معالجة أزمة السكن والحد من الضغوط الناتجة عن ارتفاع تكاليف المعيشة قد تكون من أهم العوامل التي تمنح الشباب شعوراً أكبر بالاستقرار، وبالتالي تساعدهم على اتخاذ قرار تكوين أسرة في سن أبكر.
لكن التحدي لا يزال قائماً، خصوصاً أن انخفاض معدلات الإنجاب ليس ظاهرة هولندية فقط، بل اتجاه تشهده العديد من الدول الأوروبية.
ويبقى السؤال: هل تنجح هولندا في تهيئة الظروف التي تشجع الشباب على تكوين أسر، أم أن انخفاض عدد المواليد سيتحول إلى واقع ديموغرافي دائم يغير شكل المجتمع الهولندي خلال العقود المقبلة؟
