
الصحفي خالد فيصل الطويل
في سورية اليوم، لم تعد القرارات الإدارية مجرد إجراءات عابرة، بل تحوّلت إلى رسائل مشحونة بالدلالات. فكل قرار، مهما بدا صغيراً، يُقرأ بعين القلق، ويُفسَّر في سياق أوسع من نصّه، وكأنه مؤشر على شكل الدولة التي تتكوّن ملامحها.
هذا ما يفسّر الجدل الذي رافق بعض القرارات الأخيرة المرتبطة بالشأن العام. لم يكن النقاش حول مضمونها بقدر ما كان حول ما ترمز إليه: هل نحن أمام إدارة تنطلق من معايير عامة تحترم الجميع، أم أن هناك توجهاً يُفهم منه أنه يضيق بهذا التنوع الذي يشكّل جوهر المجتمع السوري؟
المشكلة هنا ليست دائماً في القرار نفسه، بل في الطريقة التي يُصاغ بها ويُقدَّم للناس. فحين يغيب الإطار القانوني الواضح، أو يُستبدل بخطاب قابل للتأويل، تتحول حتى القضايا الهامشية إلى مصادر توتر. وفي بلد متعدد كالسوري، تصبح الرمزية أحياناً أخطر من القرار ذاته.
لهذا، لا يكفي أن تكون القرارات “صحيحة” في مضمونها، بل يجب أن تكون مقنعة في منطقها، واضحة في مرجعيتها، وقادرة على طمأنة مختلف فئات المجتمع بأنها لا تستهدف نمطاً دون آخر. فإدارة التنوع لا تقوم على فرض رؤية واحدة، بل على بناء قواعد مشتركة يشعر الجميع أنها تمثلهم.
ومن هنا، يبدو من الضروري إعادة ترتيب الأولويات. فبينما تنشغل النقاشات بقضايا قابلة للتأويل، تبقى ملفات أكثر إلحاحاً دون معالجة حقيقية. التدخين، على سبيل المثال، ليس مجرد سلوك فردي، بل أزمة صحية واجتماعية تمس الجميع، ومع ذلك لا يُواجه بالصرامة نفسها التي تُطرح في قضايا أقل تأثيراً. مثل هذه المفارقات تطرح تساؤلات مشروعة حول كيفية تحديد الأولويات في السياسات العامة.
لكن ما إن يتحول القرار إلى مادة جدل، حتى يبرز تحدٍ آخر: كيف يجب أن يكون الرد؟
الاعتصام والاحتجاج قد ينجحان في لفت الانتباه، وربما في الضغط المؤقت، لكنهما نادراً ما يحققان تغييراً مستداماً. التأثير الحقيقي يبدأ عندما تنتقل الاعتراضات من الشارع إلى المؤسسات، وعلى رأسها القضاء.
فاللجوء إلى القضاء ليس مجرد خيار قانوني، بل هو فعل سياسي بمعناه النبيل: تأكيد أن الدولة تُدار بالقانون، وأن القرارات ليست فوق المساءلة. وعندما تبادر منظمات المجتمع المدني إلى الطعن في القرارات الإدارية، فهي لا تدافع فقط عن المتضررين، بل تساهم في ترسيخ قاعدة أساسية: لا سلطة تعلو على القانون.
الأهم أن الأحكام القضائية لا تُسكت الجدل فقط، بل تؤسس لمعايير، وتبني سوابق، وتمنح المجتمع أدوات حقيقية لحماية نفسه مستقبلاً. وهنا يتحول دور المجتمع المدني من مجرد صوت احتجاج، إلى شريك فعلي في بناء دولة المؤسسات.
في النهاية، لا يمكن الحديث عن استقرار حقيقي دون الجمع بين أمرين: قرارات حكيمة تراعي حساسية المجتمع، ومسارات قانونية فعالة تضمن مساءلتها. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال الأهم: هل نريد دولة تُدار بردود الفعل، أم دولة تُبنى بالقانون؟





