Site icon NL NEWS Agency

 الدكتور البروفيسور آرام حسن استشاري الأمراض النفسي

اعداد الحوار الصحفية ريم رفعت بطال

يسعدنا اليوم أن نستضيف الدكتور آرام حسن، استشاري الطبي النفسي واستشاري علاج الصدمات النفسية EMDR

 بروفيسور مساعد غير متفرغ جامعة الامارات كلية الطب ..

للحديث عن الصحة النفسية للأطفال، باعتبارها حجر الأساس في بناء شخصية متوازنة وسليمة في المستقبل. سنناقش خلال هذا الحوار أبرز الاضطرابات والتحديات النفسية التي قد يواجهها الأطفال، ودور الأسرة والمدرسة في الاكتشاف المبكر والدعم النفسي، إضافة إلى توضيح العلامات التي تستدعي الانتباه والتدخل المختص، وذلك في إطار توعوي يهدف إلى تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية العناية بالصحة النفسية للطفل.

طب نفس الأطفال

1- كيف تقيم الوعي النفسي لدى الأهل بأهمية الصحة النفسية عند الأطفال؟

يمكن القول إن هناك وعيًا نفسيًا متزايدًا لدى شريحة من الأهالي، خاصة في الدول المتطورة مثل الإمارات، وكذلك في المدن الكبرى، ويعود ذلك إلى دور المؤسسات التعليمية، والاهتمام المتزايد بالصحة النفسية، وكذلك الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي المتخصصة، وارتفاع مستوى الوعي الصحي بشكل عام.

إلا أن هذا الوعي في أغلب الدول ما يزال غير كافٍ، وتبرز حاجة ماسة إلى تعميقه وتطويره، لا سيما فيما يتعلق بفهم الاحتياجات النفسية والعاطفية للأطفال ومراحل نموهم المختلفة. كما أن مستوى الوعي يختلف بشكل ملحوظ من دولة إلى أخرى، بل ومن مدينة إلى أخرى داخل الدولة نفسها، تبعًا للعوامل الثقافية والتعليمية والاجتماعية المتوفرة.

2- ما الفرق بين الاضطرابات العصبية والمشاكل النفسية؟ وهل يمكن أن يتداخلا؟

الاضطرابات العصبية ترتبط بخلل في عمل الدماغ أو الجهاز العصبي، بينما تتعلق المشاكل النفسية بالحالة العاطفية والسلوكية للطفل. في الواقع، يمكن أن يتداخلا بشكل كبير؛ فقد تؤدي بعض الاضطرابات العصبية إلى ظهور أعراض نفسية، كما أن الضغوط أو الصدمات النفسية قد تظهر على شكل أعراض عصبية.

لهذا السبب، يُعد التشخيص الدقيق أمرًا ضروريًا لتحديد السبب الأساسي للأعراض، ومعرفة ما إذا كانت المشكلة عصبية أو نفسية أو مزيجًا من الاثنين، مما يساعد على اختيار العلاج الأنسب ودعم الطفل بشكل صحيح.

3- ما هي العلامات المبكرة التي قد تشير إلى وجود مشاكل نفسية عند الطفل؟

من العلامات المبكرة التي قد تشير إلى وجود مشاكل نفسية عند الطفل: صعوبات في الانتباه والتركيز، والتشتت، أو بطء في التفكير والاستجابة مقارنة بما كان عليه سابقًا، والتأخر في الكلام، ومشاكل النطق.

كما يمكن ملاحظة تغيرات في المزاج أو السلوك، مثل الحزن المتكرر، الانفعال الزائد، أو تغيّر واضح في طريقة التعامل مع الآخرين.

ومن العلامات المهمة أيضًا تراجع قدرات الطفل على التفاعل كما كان في الماضي. كذلك قد تظهر حركة زائدة بشكل غير معتاد، أو على العكس انسحاب وعدم رغبة في اللعب أو التفاعل مع الأطفال الآخرين. وفي بعض الحالات، قد تكون هذه الأعراض مرتبطة بالخوف أو بتجارب صادمة، خاصة عند ملاحظة الكوابيس، القلق، أو الميل إلى الابتعاد عن الآخرين، أو مشاكل في النمو والتطور العقلي والذهني.

4- كيف يمكن أن تؤثر المشاكل العائلية على الأطفال؟

طريقة تعامل الأهل مع الخلافات والمشاكل داخل الأسرة تؤثر بشكل كبير على سلوك الأطفال ونموهم النفسي. فقد أظهرت دراسات عديدة أن أسلوب إدارة النزاعات، سواء كان هادئًا أو عدوانيًا، يترك أثرًا واضحًا على الأطفال في جميع الأعمار.

عندما يشهد الطفل خلافات تتسم بالصراخ أو العنف اللفظي أو الجسدي، قد تظهر عليه سلوكيات مثل العدوانية، الحزن، أو الانسحاب، واضطرابات في النوم وكذلك اضطرابات الأكل، وقد يؤثر ذلك سلبًا على تطوره النفسي وشخصيته. كما تنعكس هذه الأجواء على علاقاته مع الآخرين، وعلى طريقة تعامله مع المشاكل لاحقًا، وثقته بنفسه، ونظرته للحياة بشكل عام.

لذلك، يبقى أسلوب الحوار الهادئ، وعدم إقحام الأطفال في حل النزاعات، واحترام الآخر داخل الأسرة عاملًا أساسيًا في حماية الصحة النفسية للأطفال.

5- دور التغذية السليمة والنوم المنتظم في تعزيز الصحة النفسية

أظهرت الأبحاث الأكاديمية في السنوات الأخيرة بشكل واضح أن التغذية الصحية المتوازنة، الغنية بالفيتامينات والعناصر الضرورية، تلعب دورًا أساسيًا في تطور الدماغ والجهاز العصبي، وتنعكس بشكل مباشر على الصحة النفسية للأطفال. كما أن ممارسة النشاط البدني المنتظم تساهم في تحسين المزاج، وتنظيم الطاقة، وتقليل التوتر.

إلى جانب ذلك، يُعد النوم المنتظم والكافي عاملًا محوريًا في دعم التوازن النفسي والعصبي. وتشير الدراسات إلى أن الجمع بين النوم الصحي، والحركة والنشاط البدني، والتغذية السليمة يشكّل ما يمكن اعتباره “ثلاثية أساسية” تقلل من مخاطر الاضطرابات النفسية والعصبية، وتدعم النمو النفسي السليم للأطفال.

6- كيف يؤثر الاستخدام المفرط للأجهزة الذكية على تركيز الطفل ونموه وحالته النفسية؟

تشير الأبحاث إلى أن استخدام الأجهزة الذكية يمكن أن يكون مفيدًا لنمو الطفل إذا كان استخدامًا معتدلًا، وموجهًا، وضمن أهداف تعليمية واضحة. إلا أن الاستخدام المفرط وغير المنظم قد يؤدي إلى آثار سلبية واضحة على تركيز الطفل ونموه العقلي والنفسي.

فالإفراط في استخدام الشاشات قد يضعف القدرة على الانتباه، ويؤثر على تطور الدماغ والجهاز العصبي، كما ينعكس على الحالة النفسية للطفل. وقد يواجه الطفل صعوبة في تنظيم مشاعره، والتعامل مع الضغوط والمشاكل اليومية، مما يؤثر على أسلوب حياته، وسلوكه، وتكوّن شخصيته بشكل عام.

لذلك، يبقى التوازن، والتوجيه الأبوي، وتحديد أوقات الاستخدام عوامل أساسية لحماية الصحة النفسية للأطفال.

7- متى يحتاج الطفل إلى رعاية نفسية أو نفسية-طبية متخصصة؟

يحتاج الطفل إلى رعاية نفسية متخصصة عندما يعاني من أعراض نفسية شديدة أو أعراض نفسية-جسدية تؤثر بشكل واضح على حياته اليومية، وتعيق تواصله أو أداءه الوظيفي. وتشمل هذه الحالات: القلق الشديد، الأفكار أو السلوكيات الانتحارية، الاكتئاب الشديد، الذهان، أو السلوك العدواني، واضطرابات الأكل، واضطرابات في الشخصية.

كما أن التدخل السريع يصبح ضروريًا عند ملاحظة تغيّر واضح في سلوك الطفل، أو ميله للانسحاب والتجنب، أو العزلة الاجتماعية، أو عندما يشكّل سلوكه خطرًا على نفسه أو على الآخرين. ولا يوجد عمر محدد لبدء الرعاية النفسية؛ إذ يمكن أن يحتاج الطفل إلى الدعم النفسي في أي مرحلة عمرية عند ظهور مؤشرات مقلقة.

8- كيف يمكن للمدرسة أن تسهم في دعم الصحة النفسية للأطفال؟

تلعب المدرسة دورًا أساسيًا في دعم الصحة النفسية للأطفال، خاصة أولئك القادمين من بيئات أسرية غير مستقرة، أو الذين يتعرضون للتعنيف أو الإهمال، والذين يعانون من صعوبات تعلم أو سلوكية. من المهم أن توفر المدرسة بيئة آمنة يشعر فيها الطفل بالقبول والدعم، وأن يحظى بالاهتمام الكافي الذي يساعده على التعلم والنمو النفسي السليم.

كما يقع على عاتق المدرسة دور مهم في ملاحظة أي تراجع في أداء الطفل، سواء على المستوى الدراسي أو النفسي والسلوكي. وعند ملاحظة مؤشرات مقلقة، يمكن للمدرسة تقديم الدعم الأولي داخل البيئة المدرسية، وفي حال عدم كفاية ذلك، توجيه الطفل وأهله بشكل مهني للبحث عن رعاية نفسية متخصصة، بما يضمن التدخل المبكر وحماية صحة الطفل النفسية.

9- هل توجد فروق في التعامل مع الأطفال والمراهقين؟

نعم، توجد فروق واضحة في طريقة التعامل مع الأطفال والمراهقين. فمع دخول الطفل سن ما بعد العاشرة، يبدأ في اختبار الحدود، والسعي إلى الاستقلالية، وتكوين شخصيته الخاصة. وهنا يبرز التحدي في إيجاد التوازن بين منح الطفل مساحة من الحرية، وفي الوقت نفسه وضع حدود واضحة تحميه وتوجهه.

من المهم في هذه المرحلة الاستماع الجيد للمراهق، وفهم احتياجاته النفسية، ومنحه الفرصة للتعبير عن رأيه واتخاذ بعض القرارات بنفسه، مع الإرشاد والدعم المناسبين. كما يختلف هذا الأسلوب من ثقافة إلى أخرى، إذ لا يعتمد فقط على النمو النفسي والعُمري، بل يتأثر أيضًا بالقيم والمعايير الثقافية والاجتماعية السائدة.

10- ما هي أهم النصائح التي يمكن توجيهها للأهل؟

من المهم أن يدرك الأهل أن احتياجات الطفل تتغير مع تقدمه في العمر، وكذلك نظرته لنفسه وللعالم من حوله. لذلك، يحتاج الطفل إلى بيئة واضحة وآمنة تسمح له بالتعبير عن مشاعره وعواطفه بحرية، مع منحه مساحة مناسبة للاستقلال واتخاذ بعض الخيارات التي تناسبه.

وفي الوقت نفسه، يبقى دور الأهل أساسيًا في وضع حدود واضحة ومتسقة، مبنية على ما يرونه مناسبًا لمصلحة الطفل، مع تقديم التفسير والحوار بدل الأوامر فقط. فالتواصل المستمر، خاصة في مرحلة المراهقة، والاستماع الصادق، وشرح “لماذا” و“كيف” يساعد الطفل على فهم الحدود وتبنيها تدريجيًا بنفسه.

الحوار الدائم، المتابعة الهادئة، ومساعدة الطفل على فهم مشاعره وتنظيمها، تشكّل الأساس لبناء شخصية متوازنة وصحة نفسية سليمة.

11- الرسالة إلى الأهل

التربية السليمة تقوم على الحنان، والمعرفة، والاحترام، لا على المقارنة بين الأطفال أو تفضيل أحدهم على الآخر. فمقارنة الطفل بإخوته أو بغيره، أو معايرته بنجاحات الآخرين، قد تخلق لديه مشاعر سلبية تجاه نفسه وتجاه من حوله، وتؤثر على ثقته بنفسه وصورته الذاتية.

الأفضل أن يكون التشجيع مبنيًا على التحفيز الإيجابي، وتعزيز نقاط القوة، ودعم التطور الشخصي لكل طفل وفق قدراته، دون تقليل من شأنه أو الحديث عنه أمام الآخرين بطريقة سلبية. فالتربية القائمة على المحبة، والدافع، والتقدير الواقعي تساعد الطفل على بناء شخصية متوازنة، وتعزز ثقته بنفسه، وتدعم تفكيره الإيجابي وعلاقته الصحية مع نفسه ومع الآخرين…

الخاتمة

في ختام الحوار ، نتقدم بجزيل الشكر والتقدير للدكتور آرام حسن ، على ما قدمه من معلومات علمية واضحة ورؤية إنسانية عميقة حول الصحة النفسية للأطفال، وأهمية الاكتشاف المبكر والدعم الأسري والتربوي في بناء جيل متوازن نفسيًا وسليم اجتماعيًا.

لقد شكّل هذا اللقاء إضافة توعوية مهمة تسهم في تعزيز وعي الأهل والمجتمع بدورهم المحوري في حماية الصحة النفسية للطفل، ونأمل أن يكون هذا الحوار خطوة إيجابية نحو مزيد من الاهتمام والعناية بصحة أطفالنا النفسية، بوصفها أساس مستقبلهم وحياتهم القادمة.

Exit mobile version