الصحفي : محمد رائد كعكة
حين يصبح تلميع المسؤول أهم من إنجازاته، ويتحول النقد إلى خيانة، تصبح المشكلة أكبر من مجرد منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي.
هناك فئة من الناس لا يعنيها حجم الإنجاز بقدر ما يعنيها حجم التصفيق له، ولا تسأل عما قدمه المسؤول للمواطن، بل عما يمكن أن تقدمه هي من خدمات دعائية لتلميع صورته، حتى لو كان الإنجاز مجرد تصريح فارغ، أو وعد مكرر، أو صورة تذكارية، أو زيارة بروتوكولية لا تقدم ولا تؤخر في حياة السوريين.
هؤلاء هم المطبلون والمزمرون، الذين يستطيعون تحويل أي مسؤول، حتى لو كان شيخ عشيرة لا يملك من المؤهلات سوى لقبه وحاشيته، إلى عبقري في الإدارة، وثعلب في السياسة، وفيلسوف في الاقتصاد، وقائد تاريخي لم تنجب الأمهات مثله!
المهم أن يجد المطبل شخصا يصفق له، ومنبرا يرفع صوته من خلاله، وجمهورا يحاول إقناعه بأننا نعيش عصرا من الإنجازات العظيمة، حتى لو كان المواطن عاجزا عن تأمين أبسط احتياجاته اليومية.
والحقيقة أن التطبيل لا دين له، ولا مذهب، ولا طائفة، ولا هوية سياسية ثابتة. إنه مهنة عابرة للأنظمة والحكومات، يتغير فيها اسم الزعيم ولون العلم وشكل الخطاب، بينما تبقى وظيفة المطبل واحدة: صناعة القداسة حول المسؤول، وتجريم كل من يجرؤ على سؤاله عما أنجز.
شهداء الواجب بين الاحترام والاستثمار في العواطف
قبل فترة، خرج أحد المتحمسين لمهاجمة الإعلاميين والصحفيين، مستنكرا عدم تسليطهم الضوء، بالقدر الذي يريده، على شهداء الأمن العام والجمارك السورية، ومتهما إياهم بالانشغال الدائم بالأخطاء والظواهر السلبية بدلا من إبراز التضحيات والإنجازات.
وكأن وظيفة الصحفي أن يتحول إلى موظف علاقات عامة، مهمته توزيع شهادات الشكر والثناء على المؤسسات الحكومية!
وكان الرد أن شهداء الأمن العام والجمارك يستحقون الاحترام والتقدير، وأن سقوط أي إنسان أثناء أداء واجبه مأساة تستوجب التغطية الإعلامية المسؤولة، لكن هؤلاء ليسوا عمال سخرة يعملون بالمجان، وإنما موظفون حكوميون يتقاضون رواتب مقابل أداء مهامهم، ويتحملون بحكم طبيعة وظائفهم مسؤوليات ومخاطر مهنية.
وللتوضيح، فإن تقاضي الراتب لا ينتقص من قيمة التضحية، ولا يجعل الموت أثناء الواجب أمرا عاديا، لكنه في الوقت نفسه لا يمنح أي مؤسسة حكومية حصانة من النقد والمساءلة.
ثم من قال إن واجب الصحافة أن تتوقف عن كشف الفساد والأخطاء والممارسات السلبية كلما سقط شهيد أثناء أداء الواجب؟هل يصبح انتقاد الفساد خيانة لدماء الشهداء؟ وهل تتحول المطالبة بتحسين أداء المؤسسات إلى إساءة للعاملين فيها؟
إن احترام الشهداء لا يكون بتكميم أفواه الصحفيين، ولا بتحويل تضحياتهم إلى دروع تحمي المسؤولين من المساءلة.
فالصحفي الذي يكشف الخطأ لا يحارب الدولة، بل يمارس أحد أهم الأدوار التي تحتاجها الدولة كي لا تتحول إلى سلطة بلا رقابة.
من دمشق إلى سنغافورة.. رحلة على متن التصريحات!
ومن مظاهر التطبيل التي تستحق التأمل، ذلك الاحتفاء المتكرر باستحضار التجربة السنغافورية بوصفها النموذج الملهم لسورية الجديدة.
فمنذ أن تحدث وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في منتدى دافوس مطلع عام 2025 عن استلهام التجارب التنموية الناجحة، ومنها سنغافورة، تحولت هذه المقارنة لدى بعض المتحمسين إلى ما يشبه الوصفة السحرية للنهوض بسورية.
ولا مشكلة إطلاقا في الاستفادة من تجربة سنغافورة، بل إن دراسة التجارب الناجحة أمر ضروري لأي دولة تسعى إلى إعادة بناء مؤسساتها واقتصادها.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الحديث عن سنغافورة إلى إنجاز بحد ذاته!
فاستحضار التجربة السنغافورية لا يبني مصنعا، ولا يخلق فرصة عمل، ولا يرفع القدرة الشرائية للمواطن، ولا يؤسس نظام حماية اجتماعية، ولا يعيد للطبقة الوسطى التي أنهكتها سنوات الحرب والانهيار الاقتصادي قدرتها على الحياة.
ولعل السؤال الذي يستحق أن يوجه إلى ثعلب الدبلوماسية السورية هو: متى ننتقل من الإعجاب بسنغافورة إلى تطبيق الدروس التي صنعت نجاحها؟
صحيح أن بعض المؤشرات الاقتصادية بدأت تظهر بوادر تعاف، لكن ذلك لا يلغي أن ملايين السوريين ما زالوا يواجهون الفقر وضعف القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، بينما تبقى شبكات الحماية الاجتماعية غير كافية لحجم الكارثة.
إن بناء دولة ناجحة لا يبدأ بتكرار أسماء الدول الناجحة في المؤتمرات، وإنما ببناء مؤسسات قادرة على العمل، وإدارة تحترم الكفاءة، واقتصاد يستطيع المواطن لمس نتائجه في حياته اليومية.
أما تحويل التصريحات الدبلوماسية إلى انتصارات اقتصادية، فليس سوى شكل جديد من أشكال التطبيل، مهما بلغت أناقة صاحبه أو براعته في اختيار المفردات.
أهل الثقات.. ومن حررك يحق له أن يحكمك!
ومن أخطر المظاهر التي ينبغي مناقشتها بصراحة في سورية الجديدة، مسألة التعيينات الحكومية التي تثير تساؤلات متزايدة حول معايير الاختيار والكفاءة والانتماء.
فقد تناولت تقارير ودراسات تعيين شخصيات وكوادر مرتبطة بتجربة الإدارة السابقة في إدلب في مواقع حكومية مختلفة، وهو أمر يستدعي نقاشا جديا حول الشفافية وتكافؤ الفرص.
وهنا لا بد من التأكيد أن المشكلة ليست في إدلب وأهلها، ولا في أي محافظة سورية أخرى، وإنما في العقلية التي قد تتعامل مع الوظيفة العامة باعتبارها مكافأة على الولاء أو الانتماء، بدلا من اعتبارها مسؤولية تستوجب الخبرة والمؤهلات.
فليس من المنطقي أن تصبح إدارة المؤسسات الحكومية وكأنها فرض عين على أبناء محافظة بعينها، أو حكرا على من يصنفون ضمن دائرة «أهل الثقات».
سورية ليست إدلب وحدها، وليست دمشق وحدها، وليست ملكا لأي فصيل أو جماعة أو مجموعة من المنتصرين.
سورية وطن لجميع السوريين، وفيها من الكفاءات والخبرات العلمية والإدارية والاقتصادية ما يكفي لبناء مؤسسات محترمة إذا توفرت الإرادة الحقيقية لاختيار الأكفأ.
أما عقلية «نحن اللي حررناكم.. ولاك!»، فهي أخطر ما يمكن أن يتسلل إلى الإدارة العامة.
فالتحرير، مهما بلغت تضحيات المشاركين فيه، لا يمنح أحدا صكا مفتوحا للحكم، ولا يحول الوظيفة الحكومية إلى غنيمة، ولا يجعل المواطن مدينا بالطاعة الأبدية لمن وصل إلى السلطة.
ومن شارك في إسقاط النظام السابق يستحق الاعتراف بدوره وتضحياته، لكن ذلك لا يعني أنه أصبح مؤهلا تلقائيا لإدارة مصرف أو جامعة أو مؤسسة اقتصادية أو وزارة.
فالكفاءة لا تمنح على جبهات القتال، كما أن الشهادة الجامعية وحدها لا تصنع قائدا عسكريا.
ولكل موقع مؤهلاته ومسؤولياته.وإذا كانت سورية الجديدة تريد فعلا القطيعة مع الماضي، فلا يجوز أن تستبدل نظام «أهل الثقة» القديم بنسخة جديدة منه، تختلف فيها الأسماء وتتشابه فيها الممارسات.
المؤامرة الكونية تعود بثياب جديدة!
وفي الآونة الأخيرة، تتداول بعض الصفحات والحسابات على منصات التواصل الاجتماعي منشورات تتحدث عن جهات خارجية تحارب الحكومة السورية الجديدة، وتسعى إلى إسقاطها وإفشال تجربتها.
ولا يمكن بالطبع إنكار وجود مصالح إقليمية ودولية متعارضة في سورية، ولا استبعاد وجود أطراف تسعى إلى التأثير في مستقبلها السياسي.
لكن الخطورة تبدأ عندما تتحول هذه المخاوف إلى خطاب شامل يفسر كل فشل بالمؤامرة، ويصور كل انتقاد باعتباره جزءا من مخطط خارجي.
وهنا تحديدا نشعر أننا شاهدنا هذا الفيلم من قبل!
فمن منا نسي كيف كان النظام السابق يصرع رؤوس السوريين صباح مساء بالحديث عن «المؤامرة الكونية» التي تستهدف سورية وقيادتها التاريخية ومحور المقاومة والممانعة؟
كانت الأسعار ترتفع، والمؤسسات تنهار، والفساد ينتشر، والمواطن يزداد فقرا، لكن الإجابة الجاهزة كانت دائما: المؤامرة!
واليوم، عندما نقرأ بعض المنشورات التي توحي بأن الحكومة الجديدة محاصرة بالأعداء، وأن انتقادها قد يخدم مشاريع إسقاطها، يحق لنا أن نسأل: هل يراد للسوريين أن يصمتوا عن الفقر والبطالة وسوء الإدارة خوفا من سقوط الحكومة؟ وهل أصبح المطلوب من المواطن أن يتحمل غلاء المعيشة وغياب الضمانات الاقتصادية والاجتماعية، ثم يقدم اعتذارا لأنه تجرأ على الشكوى؟
إن وجود تحديات خارجية حقيقية لا يعفي أي حكومة من مسؤولياتها الداخلية، كما أن كشف الأخطاء لا يعني الانضمام إلى خصومها.
والفرق كبير بين حماية الدولة من التدخلات الخارجية، وبين حماية المسؤول من النقد الداخلي.
فالدولة التي يخشى مسؤولوها صوت المواطن أكثر من خشيتهم الفساد، تحتاج إلى مراجعة مفهومها للمسؤولية، لا إلى مزيد من حملات التطبيل.
لا نريد معارضة لكل شيء.. ولا تصفيقا لكل شيء
ليس المطلوب أن يتحول السوريون إلى معارضين دائمين لكل قرار حكومي، ولا أن ينكروا أي خطوة إيجابية تتحقق على الأرض.
فالإنصاف يقتضي الاعتراف بالإنجاز عندما يتحقق، والإشارة إلى التحسن عندما تظهر نتائجه، تماما كما يقتضي كشف الإخفاقات والمطالبة بتصحيحها.
لكن هناك فرقا شاسعا بين الإشادة بإنجاز حقيقي، وبين صناعة إنجاز وهمي من تصريح لمسؤول أو وعد بمشروع أو توقيع مذكرة تفاهم.
والأخطر من المطبل نفسه هو ذلك المناخ الذي يحاول تصوير الناقد على أنه عدو للدولة، والمتسائل على أنه مشكك بالانتصار، والمطالب بحقوقه على أنه ناكر للجميل.
لقد دفع السوريون أثمانا باهظة كي يتخلصوا من الخوف ومن ثقافة القائد الذي لا يخطئ.
وليس من المقبول أن يخرجوا من مرحلة تقديس الحاكم ليدخلوا مرحلة تقديس الحكومة، أو أن يستبدلوا صور الزعيم الواحد بمجموعة من المسؤولين الذين ينتظر كل منهم فريقا خاصا من المصفقين.
الحكومة موظفة عند الشعب.. وليست صاحبة فضل عليه
لعل أول ما ينبغي ترسيخه في الوعي العام أن الحكومة، أي حكومة، ليست جمعية خيرية تقدم خدماتها للمواطنين تفضلا وكرما.
إنها جهاز إداري وسياسي وجد لإدارة شؤون الدولة وخدمة المجتمع، وتستمد مشروعية أدائها من قدرتها على حماية الحقوق وتوفير الخدمات وتحمل المسؤولية والخضوع للمساءلة.
والمسؤول الحكومي، مهما علا منصبه، ليس فوق النقد، ولا يحتاج إلى جوقة من المزمرين كي يثبت نجاحه.
فإذا بنى مدرسة، فقد أدى واجبه.
وإذا أصلح طريقا، فقد أدى واجبه.
وإذا حسن الخدمات أو وفر فرص العمل، فقد أنجز ما يفترض بمنصبه أن يسعى إليه.
ومن حق الناس تقدير الإنجاز، لكن ليس مطلوبا منهم تقديم فروض الولاء والطاعة مقابل الحصول على حقوقهم الأساسية.
إن سورية الجديدة لن تبنى بالمبالغة في المديح، ولا باستيراد نماذج النجاح عبر التصريحات، ولا بتوزيع المناصب على أساس الثقة والولاء، ولا بتخويف المواطنين من مؤامرة جديدة كلما طالبوا بحقوقهم.
ستبنى حين تصبح الكفاءة أهم من الانتماء، والقانون أقوى من العلاقات، والمحاسبة أعلى من المجاملة، والمواطن أهم من صورة المسؤول.
على المطبلين والمزمرين أن يدركوا أن سورية لا تحتاج إلى مزيد من الضجيج، بل إلى مزيد من العمل.
ولا تحتاج إلى من يقنع المواطن بأنه يعيش في الجنة، بينما هو يبحث عن ثمن الخبز والدواء.
لقد سئم السوريون عقودا من الشعارات والانتصارات الوهمية والخطب الرنانة.
فلا تعيدوا إنتاج المشهد نفسه بأسماء جديدة وألحان نشاز مختلفة.
فالحكومة التي تنجز لا تحتاج إلى طبال، والحكومة التي تخطئ لا ينقذها ألف مزمار.
والشعب السوري ليس جمهورا في حفل مديح مفتوح، بل هو صاحب الحق، وصاحب المصلحة، وصاحب الكلمة التي ينبغي أن تسمع قبل أصوات جميع المطبلين.
