القاهرة : داليا عطية
من قلب جامعة الدول العربية بالقاهرة، حيث تتقاطع الخطابات السياسية مع ثقل الأزمات الإنسانية المتصاعدة في المنطقة، انعقدت الجلسة العامة للبرلمان العربي، في توقيت استثنائي تعكس فيه القضايا المطروحة حجم التحديات التي تواجه العالم العربي اليوم .
لم تكن الجلسة مجرد اجتماع برلماني دوري، بل جاءت في ظل حرب مستمرة على قطاع غزة، وأزمات مفتوحة في السودان، واليمن، وسوريا، وليبيا، ما أضفى على النقاشات طابعًا يتجاوز البروتوكول السياسي إلى أسئلة جوهرية حول قدرة المؤسسات العربية على التأثير الفعلي .
وبين قاعة التصويت وكواليس المشاورات، برزت محاولات لإعادة تعريف دور البرلمان العربي، من منصة لإصدار البيانات، إلى أداة دبلوماسية قادرة على ترجمة المواقف إلى خطوات ملموسة لصالح الشعوب العربية .
انتخابات داخلية، مطالب بتمكين المرأة، و نقاشات حادة حول حدود الدور البرلماني تزامنت مع تأكيد رسمي متجدد على مركزية القضية الفلسطينية، لتكشف الجلسة عن فجوة قائمة بين الطموح السياسي، والواقع الإقليمي المعقد، في لحظة تتزايد فيها الضغوط الدولية على المنطقة بأسرها .
في جلسة اليوم التي حضرتها NL News Agency استعرض البرلمان العربي موقفه من تطورات الأوضاع في المنطقة، إلى جانب انضمام أعضاء جدد إلى البرلمان، من مصر، والعراق، وقطر، في خطوة تعكس استمرار عملية التحديث المؤسسي داخل البرلمان .
وفي أحد أبرز محاور الجلسة، أجرى البرلمان انتخابات علنية لمنصب نائب رئيس البرلمان العربي، تنافس فيها كل من النائبة العراقية حنان الفتلاوي، والنائب المصري اللواء هشام الحصري .
أسفرت الانتخابات التي شهدت 60 صوتًا صحيحًا دون أصوات باطلة، عن فوز اللواء هشام الحصري بـ 31 صوتًا، مقابل 28 صوتًا لمنافسته .
خلال كواليس الجلسة ركزت “الفتلاوي” في تحركاتها على ملف تمكين المرأة، معتبرة أن البرلمان العربي مُطالَب بتجسيد هذا المفهوم عمليًا داخل هياكله القيادية، وليس الاكتفاء بالخطاب الداعم .
في المقابل استند “الحصري” إلى خبرته البرلمانية الممتدة لأكثر من 20 عامًا داخل مجلس النواب المصري، مقدمًا نفسه كخيار يعزز الاستقرار المؤسسي، والخبرة التشريعية، وهو ما رجّح كفّته في التصويت النهائي .
و شهدت الجلسة أيضًا انتخابات رئاسة لجنة الشؤون الخارجية والسياسية والأمن القومي، في إطار استكمال التشكيلات القيادية للّجان البرلمانية .
وفي أروقة البرلمان، عبّر عدد من الأعضاء، في أحاديث جانبية، عن رغبتهم في تجاوز دور البرلمان التقليدي القائم على البيانات والتنديد، مطالبين باتخاذ قرارات عملية على أرض الواقع، تعكس كونه “صوت الشعوب العربية” مع تركيز خاص على اتخاذ مواقف أكثر تأثيرًا تجاه الكارثة الإنسانية في قطاع غزة .
وفي هذا السياق أكد محمد بن أحمد اليماحي، رئيس البرلمان العربي، خلال كلمته أمام الجلسة، أن المرحلة الراهنة تفرض مزيدًا من التنسيق والتكامل البرلماني العربي، مشددَا على أهمية الدبلوماسية البرلمانية كأداة مؤثرة في القضايا الإقليمية والدولية .
وجدد “اليماحي” التأكيد على مركزية القضية الفلسطينية، مُرحبًا بتشكيل لجنة التكنوقراط الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، ورافضًا أي مسار سياسي لا يؤدي إلى وقف كامل ودائم للعدوان، وانسحاب شامل من القطاع، مع إدانته التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية .
كما تناول رئيس البرلمان تطورات الأوضاع في اليمن، والسودان، وسوريا، وليبيا، والصومال، مؤكدًا دعم البرلمان للحلول السياسية الشاملة، والحفاظ على وحدة الدول العربية ومؤسساتها، وإدانة أي انتهاكات تمس سيادتها أو تخالف قواعد القانون الدولي .
وعكست الجلسة، بما شهدته من نقاشات رسمية، وكواليس سياسية، حالة متزايدة من الضغط داخل البرلمان العربي لتحويل المواقف السياسية المعلنة إلى خطوات ملموسة، في ظل تصاعد التحديات التي تواجه المنطقة العربية .
ومع استمرار الحرب على قطاع غزة، تتفاقم معاناة المدنيين بشكل غير مسبوق، في ظل ما تشير إليه تقارير أممية وحقوقية من انتهاكات جسيمة لقواعد القانون الدولي الإنساني .
العمليات العسكرية في قطاع غزة تركز على المناطق السكنية المكتظة، والمرافق الطبية، والبنية التحتية المدنية، إلى جانب عرقلة وصول المساعدات الإنسانية بما يتعارض مع اتفاقيات جنيف، والمواثيق الدولية التي تنظم حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة .
ومع غياب آليات المساءلة الفعالة، تستمر أعداد الضحايا في الارتفاع، ما يثير تساؤلات قانونية وأخلاقية متزايدة حول احترام كيان الاحتلال لالتزاماته الدولية .
وتتفاقم الكارثة الإنسانية مع اشتداد البرد القارس، واستمرار الحصار، والنقص الحاد في الغذاء، والمياه، والرعاية الصحية، إلى جانب تشريد مئات الآلاف من السكان .
ومع اقتراب شهر رمضان، تتزايد المخاوف من تفاقم الأوضاع الإنسانية بشكل أكبر، في وقت تعجز فيه العائلات عن تأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة، وهو ما كان محور خطاب البرلمان العربي في جلسته اليوم .
وفي هذا السياق تجددت دعوات البرلمان إلى تحرك عاجل من المجتمع الدولي يتجاوز بيانات القلق والإدانة، نحو خطوات ملموسة تضمن وقف الانتهاكات، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، وتفعيل قواعد القانون الدولي، قبل أن ترتفع الكلفة الإنسانية إلى مستويات أكثر مأساوية .
