Site icon NL NEWS Agency

إعادة إعمار جوبر والقابون: بين التنظيم العمراني وحقوق الملكية

(قراءة في آليات توزيع الحصص بين المستثمرين وأصحاب الأراضي، وتساؤلات حول العدالة في مشاريع ما بعد الحرب)

الصحفي – خالد فيصل الطويل

في كل مرة يُطرح فيها ملف إعادة الإعمار في دمشق، يعود السؤال الجوهري ليطفو على السطح: هل نحن أمام عملية ترميم لما تهدّم، أم إعادة تشكيل للمدينة على حساب أصحابها الأصليين؟ في حالتي حي جوبر وحي القابون، تبدو هذه الإشكالية أكثر حضوراً وإلحاحاً من أي وقت مضى.

المتعارف عليه في قطاع البناء، سواء في سوريا أو في العديد من الدول، أن العلاقة بين صاحب الأرض والمتعهد تقوم على شراكة شبه متوازنة، تتراوح عادة بين 40% و60% من مجمل البناء، سواء كان سكنياً أو تجارياً. ويتم توزيع هذه الحصص وفق معايير تأخذ بعين الاعتبار الارتفاعات، والإطلالات، والموقع، بما يضمن قدراً معقولاً من العدالة بين الطرفين. هذه القاعدة ليست مجرد عرف مهني، بل تعبير عن توازن مصالح يفترض أن يحمي صاحب الأرض بوصفه الركيزة الأساسية لأي مشروع.

غير أن ما يُتداول حول مشاريع تنظيم جوبر والقابون يثير تساؤلات جدية حول مدى الالتزام بهذه المعايير. وكوني من سكان القابون قبل التهجير ، ووقفت على ركام ثم منزلي بعد التحرير يمكنني القول كمثال يختصر حجم القلق:

“هل من العدل أن يقدم صاحب أرض مساحتها 500 متر، ليُبنى عليها برج لا يقل عن 12 طابقاً ولا يوجد ما يمنع من وصوله إلى 22 طابقاً، ثم يحصل بالمقابل على 250 أو 500 متر مربع فقط كمساحة أفقية؟! في حين يذهب الباقي، أي ما لا يقل عن 11 ضعفاً، إلى المقاول ؟ ”

هذا الطرح لا يعبّر فقط عن حالة فردية، بل يعكس مخاوف أوسع من آلية توزيع قد تؤدي إلى تهميش أصحاب الأرض وتحويلهم من شركاء إلى أطراف ضعيفة في معادلة الاستثمار.

الأمر لا يتوقف عند نسب الحصص، بل يتعداه إلى طبيعة المشروع نفسه. فبينما يُستخدم مصطلح “إعادة إعمار”، تشير المعطيات إلى توجه نحو “إعادة تنظيم” شاملة، تقوم على إنشاء أبراج سكنية ومجمعات تجارية، على غرار نماذج عمرانية حديثة في مناطق أخرى من دمشق. وهذا التحول يعني عملياً تغييراً جذرياً في هوية الأحياء، وليس مجرد إعادة بناء لما كان قائماً.

في هذا السياق، تبرز نقطة محورية: القضية لا تتعلق ببيت مهدّم يمكن تعويضه، بل بأرض تمثل جوهر الملكية وقيمتها الحقيقية. ومع التوقعات بأن تتحول هذه المناطق إلى واجهة عمرانية واستثمارية لدمشق من الجهة الشمالية الشرقية، تزداد أهمية هذه الأراضي وقيمتها. وهو ما يطرح سؤالاً مشروعاً: هل سيحصل أصحابها على نصيب عادل من هذه القيمة المتزايدة؟

إن أي عملية إعادة إعمار ناجحة لا تُقاس فقط بسرعة التنفيذ أو حداثة الأبنية، بل بمدى قدرتها على تحقيق العدالة وحماية حقوق السكان الأصليين. فحين يشعر أصحاب الأرض بأنهم خسروا جزءاً كبيراً من حقوقهم، أو أنهم غير قادرين على الاستفادة من مشاريع تقام على أملاكهم، فإن ذلك يفتح الباب أمام شكل من أشكال الإقصاء غير المباشر.

هذا الواقع قد يقود، في المدى البعيد، إلى تغييرات ديموغرافية واجتماعية عميقة، حيث يجد كثير من الأهالي أنفسهم خارج مناطقهم الأصلية بعيدين عن ذكريات تربطهم بأرضهم، إما بسبب ضعف حصصهم أو ارتفاع كلفة السكن في المشاريع الجديدة. وهنا تتحول إعادة الإعمار من فرصة لإعادة الحياة إلى الأحياء، إلى عامل ضغط يدفع باتجاه تفريغها من سكانها الذين سجلوا على مر السنين حالات ولادة ووفاة وما بينهما من ذكريات .

إن التحدي الحقيقي أمام الجهات المعنية لا يكمن فقط في إعادة بناء الحجر، بل في صون حقوق البشر. ويتطلب ذلك شفافية أكبر في آليات التخطيط، وعدالة واضحة في توزيع الحصص، وإشراكاً فعلياً لأصحاب الأرض في اتخاذ القرارات التي تمس مستقبلهم.

عندما يكون الحديث عن الأرض فهو حديث عن الانتماء ولهذا فمن الطبيعي ان تبرز أسئلة كثيرة مثل 

هل تتحول إعادة الإعمار إلى عبء على أصحاب الأرض؟

في إعادة الإعمار هل نحن أمام أرباح متصاعدة وحقوق متراجعة؟

بين الأبراج وحقوق الملكية: ما الذي يخسره أهالي جوبر والقابون؟ 

في مشاريع التنظيم الجديدة: هل يدفع أصحاب الأرض الكلفة الأكبر؟

في النهاية، تبقى إعادة إعمار جوبر والقابون اختباراً حقيقياً لنموذج الإعمار في سوريا عموماً: هل سيكون نموذجاً قائماً على الشراكة والإنصاف، أم مساراً يغلب عليه منطق الاستثمار على حساب الحقوق؟ الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مصير هذه الأحياء فحسب، بل ستسهم في رسم ملامح سوريا القادمة.

كاتب

Exit mobile version